والمناجاة١، ورؤية أهل الجنة له مواجهة عيانًا بالأبصار من فوقهم، ومحاضرته لهم محاضرةً، ورفع الحُجُب بينه وبينهم، وتجليه لهم، واستدعاءهم لزيارته٢، وسلامه عليهم سلامًا حقيقيًّا قولًا من ربٍّ رحيمٍ،
(١) أخرج البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته».
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥٤٩) وابن ماجه (٤٣٣٦) وابن حبان (٧٤٣٨) وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ في حديث سوق الجنة. وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». وقد اختلف في إسناده، وصوَّب الدارقطني وغيره أنه منقطع. ينظر: «علل الدارقطني» (١٣٤٨) و«الحنائيات» (١٩) و«حادي الأرواح» (١/ ٥٧١ - ٥٧٣).
واستماعه وأَذَنه لِحَسَنِ الصوت إذا تلا كلامه١، وخلقه ما شاء بيده، وكتابته كلامَه بيده، ويصفه بالإرادة والمشيئة والقوة والقدرة والحياة والحياء، وقبض السماوات وطيها بيده، والأرض بيده الأخرى، ووضعه السماوات على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع.
وإلى أضعاف ذلك ممَّا إذا سمعه المعطلة سبَّحوا الله ونزهوه جحودًا وإنكارًا، لا إيمانًا وتصديقًا.
فما ضحك منه رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا لقائله٢ يعبس منه هؤلاء إنكارًا وتكذيبًا. وما شهد لقائله بالإيمان، شهد هؤلاء له بالكفر والضلال.
وما أوصى بتبليغه إلى الأُمة وإظهاره يُوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه. وما أطلقه على ربِّه لئلا يُطْلَق عليه ضدُّه ونقيضُه، يُطْلِق هؤلاء عليه ضدَّه ونقيضَه؛ لئلا يُطْلَق هو عليه. وما نزَّه ربَّه عنه من العيوب والنقائص، يمسكون عن
تنزيهه عنه، وإن اعتقدوا أنه منزَّه عنه، ويبالغون في تنزيهه عمَّا وصف به نفسه.
فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمه بالقرآن حقيقة، وإثبات الوجه واليد والعين له = ما لا يبالغون مثله ولا قريبًا منه في تنزيهه عن الظلم والعبث٣ والفعل٤
(١) أخرج البخاري (٥٠٢٤) ومسلم (٧٩٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». ومعناه: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن، أي يتلوه يجهر به. «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٣٣).
(٢) في حديث ابن مسعود المتفق عليه، وقد تقدم تخريجه (ص ٢٠٩).