وأبي الهذيل العلاف وإبراهيم النظَّام وبشر المَرِيسي وثمامة بن أشرس، وأمثال هؤلاء ممَّن هم من أجهل الخلق بما بعث الله به رسوله.
فيا للعقول! ويا للعجب! أيكون ما أتى به هؤلاء من التعطيل والنفي أكمل ممَّا أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله خاتم الرُّسل وإخوانهما من المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم؟!
فإن الرسل عند النُّفاة لم يُبيِّنوا أفضل العلم والمعرفة، وإنما هم الذين بيَّنوا ذلك ودلائله تأصيلًا وتفصيلًا، وقد صرَّح ملاحدة هؤلاء بأن الرُّسل راموا إفادة ما بيَّنوا١ هؤلاء الملاحدة، كما قال ابن سبعين في خطبة كتابه: «أمَّا بعد: فإني قد عزمت على إفشاء السِّرِّ٢ الذي رمز إليه هرامس٣ الدُّهور الأولية، ورامت٤ إفادته الهداية النبوية»٥.
ويقول صاحب «الفصوص»: «إن الرُّسل يستفيدون معرفة ذلك من مشكاة خاتم الأولياء، وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه المَلَك الذي يُوحي به إلى الرسول»٦.
(١) كذا في «ح» على لغة أكلوني البراغيث.
(٢) «بد العارف»: «الحكمة».
(٣) «بد العارف»: «هرامسة». والهرامسة: ثلاثة من الحكماء، يزعمون أن أولهم نبي الله إدرس ﵇، ويلقبونه هرمس الهرامسة. ينظر «إخبار العلماء» للقفطي (ص ٨، ٢٥٩).
(٤) «بد العارف»: «والحقائق التي رامت».
(٥) «بد العارف» (ص ٢٩).
(٦) «فصوص الحكم» (١/ ٦٢ - ٦٣).
فهو أعلى إسنادًا من الرسول، وأقرب تلقيًا على قوله.
وطائفة من الفلاسفة تقول: «إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه» بناءً على هذا الأصل الملعون، ومن لم يصل إلى هذا - الذي هو غاية تحقيقهم - من أهل التعطيل والتجهيم ومبتدعة المتصوفين فقد شاركهم في الأصل، وقاسمهم في الربح والثمرة، والله الموفق.
الوجه الثالث عشر بعد المائة: أن أقوال هؤلاء النُّفاة المعطلة متناقضةٌ مختلفةٌ، وذلك يدل على بطلانها وأنها ليست من عند الله. وما جاء به الرسول متسقٌ متفقٌ، يُصدِّق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا. وهذا يدل على أنه حقٌّ في نفسه، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اِللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء: ٨١].
وأنت إذا تأمَّلت مقالات القوم ومعقولاتهم وجدتها أعظم شيءٍ تناقضًا، ولا تجد أحدًا من فضلائهم ورؤسائهم أصلًا إلَّا وهو يقول الشيء ويقول ما يخالفه ويناقضه تارةً في المسألة الواحدة، وتارةً يقول القول ثم ينقضه في مسألة أخرى من ذلك الكتاب بعينه، وأمَّا قوله الشيء وقول نقيضه في الكتاب الآخر، فمن له فهمٌ واطلاعٌ على كتب القوم يعلم ذلك.
وأمَّا الجاهل المقلد فلا تعبأ به، ولا يسوءك سبُّه وتكفيره وتضليله، فإنه كنباح الكلب، فلا تجعل للكلب عندك قدرًا أن ترد عليه كلما نبح عليك، ودعه يفرح بنباحه، وافرح أنت بما فَضُلْتَ به عليه من العلم والإيمان والهُدى، واجعل الإعراض عنه من بعض شكر نعمة الله التي ساقها إليك وأنعم بها عليك.