الصواعق المرسلة

ولولا خشية الإطالة لذكرنا في هذا الموضع من تناقضهم في مسائلهم ودلائلهم في كل مسألةٍ ما يتعجب منه العاقل، ويتنبه به الغافل.

وأمَّا مناقضة بعضهم بعضًا ومعارضة بعضهم بعضًا في الأدلة والأحكام فأمر لا خفاء به. فالواحد منهم متناقض مع نفسه، وأصحابه متناقضون فيما بينهم، وهم وخصومهم في هذا الباب أشد تناقضًا، ومناقضتهم١ لنصوص الوحي معلومة، وهم متناقضون لما تعلم صحته بصريح العقل، فهم في ﴿ظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا﴾ ولكن لا يرى هذه الظلمات إلَّا من هو في نور السمع والعقل ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٩].

الوجه الرابع عشر بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل يستلزم قولهم ثلاث مقدِّمات تناقض دعواهم غاية المناقضة:

المقدمة الأولى: ثبوت الرِّسالة في نفس الأمر على قاعدة أهل الملل٢، وأن الرسول جاء من عند الله برسالةٍ ليس مقدورًا لبشرٍ نيلها باكتساب ولا رياضة ولا صناعة من الصنائع.

الثانية: أنه جاء بهذا الكلام الذي ادعوا أن العقل عارضه.

الثالثة: أنه أراد به حقيقته وظاهره.

فلا تتم دعوى المعارضة إلَّا بهذه الأمور، وحينئذٍ فإمَّا أن يقر المعارض

  1. (١) «ح»: «مناقضا ومناقضة».
  2. (٢) «ح»: «الملك».
768

بها أو ينكرها، فإن أقر بها ثم ادعى المعارضة كان قوله في غاية القدح١ في المرسل والرسول. وإن أنكرها كان الكلام معه في أصل ثبوت الرسالة، واحتج عليه بما يُحتج على منكري النبوات.

وإن أقر بالنبوة على طريقة ملاحدة الفلاسفة ومن سلك سبيلهم [ق ٨٦ أ] أنها مكتسبة، وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم، وقوة يتصرف بها في العالم، وقوة يتصرف فيها في المعقولات فيشكلها في نفسه خيالات تُرى وتُسمع، وهي المسماة بالملائكة، كما يقوله شيوخ هؤلاء كابن سينا وأتباعه، ولم يمكنه أن يجزم بأن النبي عالمٌ بما يقول، معصومٌ عن الخطأ فيه، فكيف وهو يقول: إن النبي قد يقول ما يعلم خلافه = فهو لا يستفيد بخبر النبي حقًّا البتةَ، فكيف يتكلم في المعارضة التي هي فرع الاعتراف بصحة الدليل ولكن قد عارضه غيره٢.

فيكون مقام هذا مقام منع لا مقام معارضة، فإما أن يمنع كون النبي عالمًا بما يقول، أو كونه جازمًا معصومًا فيه، أو كونه جاء بذلك، أو كونه أراد به خلاف ما دلَّ العقل بزعمه عليه؛ وإلَّا فمع إقراره بذلك تستحيل المعارضة؛ إذ٣ ترجع حقيقتها إلى أن ما جاء به حقٌّ وأنه باطلٌ، وهذا جمع بين النقيضين. فثبت أن هذه الطريقة طريقة ممانَعة٤، لا طريقة معارضة، وأن دعوى المعارض تستلزم الجمع بين النقيضين. فمن لم يعلم أن الرسول

  1. (١) «ح»: «غاية وحالة القدح». والكلمة الثانية زائدة أو محرفة.
  2. (٢) جملة «ولكن قد عارضه غيره» إما أنها مقحمة أو وقع فيها سقط أو تحريف.
  3. (٣) «ح»: «أن». ولعل المثبت هو الصواب.
  4. (٤) «ح»: «مانعة». ولعل المثبت هو الصواب.
769

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي