الصواعق المرسلة

وبين ما أقررتموه على حقيقته؟

فإن قلتم ما يقوله جمهوركم: إن ما عارضه عقليٌّ قاطعٌ تأولناه، وما لم يعارضه عقليٌّ قاطعٌ أقررناه.

قيل لكم: فحينئذٍ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيءٍ، [ق ٨٦ ب] فإنكم لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية - كما تقدم ـ؛ إذ غاية ما معكم نفي العلم بها، وعدم العلم لا يستلزم عدم المعلوم. وأيضًا فمعقولات الناس ليست على حدٍّ واحدٍ، فهب أن معقولاتكم ليست تعارض ما أقررتموه فقد ادَّعى غيركم أن معقولاته تعارضها، وبيَّن تلك المعارضة بمقدمات أقوى من مقدماتكم التي عارضتم بها ما تأولتموه ومثلِها.

وأيضًا فعدم العلم بالمعارض العقلي القطعي لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي، فإنكم إذا جوَّزتم على الرسول أن يقول قولًا له معنًى وهو لا يريده - لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر ببال الخلق في قرونٍ كثيرةٍ ما يخالف ذلك - جاز أن يريد بما أقررتموه ما يخالف مقتضاه، وعدم العلم بما يعارضه من العقليات لا يستلزم عدم المعارض في نفس الأمر، وهذا ممَّا لا جواب لكم عنه.

فإن قلتم: نتأول ما [لا]١ يُعلم بالاضطرار أنه جاء به وأراده، وما عُلم بالاضطرار أنه جاء به وأراد معناه أقررناه.

قيل لكم: فخصومكم من أهل الباطل يقولون لكم فيما أقررتموه: نحن لم نعلم أنه جاء بهذا ولا أراد معناه، كما قلتم أنتم فيما تأولتموه سواء.

  1. (١) سقط من «ح».
772

فدعواكم من جنس دعواهم، لا فرق بينهما، فما الذي جعل قولكم أولى بالصواب من قولهم؟

وأتباع الرسول وحزبه العالمون بما جاء به - الذين هم خاصته - يعلمون بالاضطرار من دينه أنه جاء بما يخالف تأويلاتكم وتأويلات إخوانكم، ويعلمون بالضرورة أنها مناقضةٌ لما جاء به مناقضةً ظاهرةً، ولا يدَّعون عليكم أنكم تعلمون ذلك؛ فإنكم لا علم لكم بما جاء به، وأنتم من أبعد الناس عنه. فإذا قلتم: لا نعلم أنه جاء به صدَّقوكم في ذلك، ولكن جهلكم بما جاء به وإعراضكم عنه، لا يوجب مشاركتهم لكم في هذا الجهل.

فالمثبتون لعلوِّ الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلمه بالقرآن حقيقة، وتكليمه لعبده موسى حقيقة منه إليه بلا واسطةٍ كلامًا أسمعه إياه، وتكليمه عباده في الآخرة، وتكليمه ملائكته، وإثبات صفاته، ورؤية المؤمنين له في الجنة من فوقهم عيانًا جهرة بأبصارهم = يعلمون أن نبيَّهم جاء بذلك ضرورةً، كما أنه جاء بالوضوء والغسل من الجنابة والصلاة وصوم رمضان والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش، فكيف تنكرون ذلك لعدم علمكم؟

ولما علم أئمة هؤلاء وفضلاؤهم أن هذا لازم لا محالة صرحوا بأنه لا يُستفاد من السمعيات علمٌ ولا يقينٌ؛ إذ هي موقوفة على أمور عشرة، ومنها نفي المعارض العقلي، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه، وهذا أتم ما يكون من عزل الرسول عن موجب رسالته، وبالله التوفيق.

الوجه الثامن عشر بعد المائة: أن هؤلاء المُعرِضين عن الأدلة السمعية المعارضين لها إذا فعلوا ذلك لم يبق لهم إلَّا طريقان: إمَّا طريق النظار وهي

773

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي