الصواعق المرسلة

واستبشارًا، وأن الذين في قلوبهم مرضٌ وريبٌ يزيدهم رجسًا إلى رجسهم، ويودون أنها لم تنزل. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَت سُّورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ١٢٥ وَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥ - ١٢٦].

وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر إلى وجوه القوم وشمائلهم عند استماع آيات الصِّفات وأخبارها، كيف تجدهم ورثة الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَت سُّورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَراكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ اَنصَرَفُوا صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٨].

وقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اُلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٧]. وهؤلاء يسوءهم ما يخالف قواعدهم الباطلة ممَّا أنزل إليه.

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]. وهؤلاء في أعظم الريب في أشرف ما جاء به الرسول.

ومن جوَّز أن يكون فيما أخبر به ما يُعارضه صريح المعقول لم يزل في ريبٍ من ثبوت ما أخبر به، ولا يزال بنيانهم١ لتلك القواعد التي بنوها ممَّا يُعارض ما جاء به الرسول ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١١].

وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا اُلْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. وهؤلاء يرون أن أشرف ما أُنزل إليه

  1. (١) «ح»: «بنيانه».
776

يخالفه صريح العقل.

وقال تعالى: ﴿وَيَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه وأجلَّه يخالف المعقول١ ويهدي إلى التشبيه والتجسيم والضلال.

الوجه الثاني والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في العلم واليقين. ولعلك تقول إنا حكينا ذلك عنهم بلازم قولهم، فاسمع حكاية ألفاظهم. قال الرازي في «نهايته»٢: «فصل في تزييف الطُّرق الضعيفة وهي أربع ...»، فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله، وذكر القياس، وذكر الإلزامات، ثم قال٣: «والرابع هو التمسك بالسمعيات».

وهذا تصريحٌ بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة، وأخذ في تقرير ذلك فقال٤: «المطالب على أقسام ثلاثة: منها: ما يستحيل [حصول]٥ العلم بها بواسطة السمع، ومنها: ما يستحيل [حصول]٦ العلم بها إلَّا من السمع، ومنها: ما يصح حصول العلم بها من السمع تارةً، ومن العقل أخرى».

  1. (١) «ح»: «للمعقول».
  2. (٢) «نهاية العقول» (١/ ١٢٤ - ١٤٢) مطولًا جدًّا.
  3. (٣) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢).
  4. (٤) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢).
  5. (٥) من «نهاية العقول».
  6. (٦) من «نهاية العقول».
777

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي