الصواعق المرسلة

يخالفه صريح العقل.

وقال تعالى: ﴿وَيَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. وهؤلاء يرون أن أشرف ما أنزل إليه وأجلَّه يخالف المعقول١ ويهدي إلى التشبيه والتجسيم والضلال.

الوجه الثاني والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك فيها في العلم واليقين. ولعلك تقول إنا حكينا ذلك عنهم بلازم قولهم، فاسمع حكاية ألفاظهم. قال الرازي في «نهايته»٢: «فصل في تزييف الطُّرق الضعيفة وهي أربع ...»، فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله، وذكر القياس، وذكر الإلزامات، ثم قال٣: «والرابع هو التمسك بالسمعيات».

وهذا تصريحٌ بأن التمسك بكلام الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة، وأخذ في تقرير ذلك فقال٤: «المطالب على أقسام ثلاثة: منها: ما يستحيل [حصول]٥ العلم بها بواسطة السمع، ومنها: ما يستحيل [حصول]٦ العلم بها إلَّا من السمع، ومنها: ما يصح حصول العلم بها من السمع تارةً، ومن العقل أخرى».

  1. (١) «ح»: «للمعقول».
  2. (٢) «نهاية العقول» (١/ ١٢٤ - ١٤٢) مطولًا جدًّا.
  3. (٣) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢).
  4. (٤) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢).
  5. (٥) من «نهاية العقول».
  6. (٦) من «نهاية العقول».
777

قال١: «أمَّا القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارًا وعالمًا بكل المعلومات، وصِدقِ الرسول».

قال٢: «وأمَّا القسم الثاني فهو ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر، إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولا يدركه بشيءٍ من حواسه، فإن حصول٣ غراب على قُلَّة٤ جبل قاف٥ إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقًا، وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلًا، وهو غائب٦ عن الحسِّ والنفس، استحال العلم بوجوده إلَّا من قول [ق ٨٧ ب] الصادق.

وأمَّا القسم الثالث: وهو معرفة وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، أو استحالة المستحيلات، التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها، مثل مسألة الرُّؤية والصفات والوحدانية وغيرها ...» ثم عدَّد أمثلة٧.

  1. (١) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢).
  2. (٢) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢ - ١٤٣).
  3. (٣) كذا في «ح»، «م». وفي «نهاية العقول»: «جلوس».
  4. (٤) القلة: أعلى الجبل. «الصحاح» (٥/ ١٨٠٤).
  5. (٥) جبل قاف ذكر بعض المفسرين وغيرهم أنه جبل محيط بالأرض، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٣٩٤): «وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدق ولا يُكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبِّسون به على الناس أمر دينهم».
  6. (٦) «ح»: «غرائب». والمثبت من «م» و«نهاية العقول».
  7. (٧) كذا في «ح»، «م». وليس في «نهاية العقول» بعده أي أمثلة، وكأن المصنِّف أخذه مما فهمه من كلام شيخه ابن تيمية، فإنه عقب في «درء التعارض» (٥/ ٣٣٠) على كلام الرازي هذا بقوله: «قلت: ليس المقصود هنا استيفاء الكلام فيما ذكره من الأمثال». ففهم أنه عدد بعده أمثلة، والله أعلم.
778

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي