الصواعق المرسلة

قال١: «أمَّا القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارًا وعالمًا بكل المعلومات، وصِدقِ الرسول».

قال٢: «وأمَّا القسم الثاني فهو ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر، إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولا يدركه بشيءٍ من حواسه، فإن حصول٣ غراب على قُلَّة٤ جبل قاف٥ إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقًا، وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلًا، وهو غائب٦ عن الحسِّ والنفس، استحال العلم بوجوده إلَّا من قول [ق ٨٧ ب] الصادق.

وأمَّا القسم الثالث: وهو معرفة وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، أو استحالة المستحيلات، التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها، مثل مسألة الرُّؤية والصفات والوحدانية وغيرها ...» ثم عدَّد أمثلة٧.

  1. (١) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢).
  2. (٢) «نهاية العقول» (١/ ١٤٢ - ١٤٣).
  3. (٣) كذا في «ح»، «م». وفي «نهاية العقول»: «جلوس».
  4. (٤) القلة: أعلى الجبل. «الصحاح» (٥/ ١٨٠٤).
  5. (٥) جبل قاف ذكر بعض المفسرين وغيرهم أنه جبل محيط بالأرض، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٣٩٤): «وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدق ولا يُكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبِّسون به على الناس أمر دينهم».
  6. (٦) «ح»: «غرائب». والمثبت من «م» و«نهاية العقول».
  7. (٧) كذا في «ح»، «م». وليس في «نهاية العقول» بعده أي أمثلة، وكأن المصنِّف أخذه مما فهمه من كلام شيخه ابن تيمية، فإنه عقب في «درء التعارض» (٥/ ٣٣٠) على كلام الرازي هذا بقوله: «قلت: ليس المقصود هنا استيفاء الكلام فيما ذكره من الأمثال». ففهم أنه عدد بعده أمثلة، والله أعلم.
778

ثم قال١: «إذا عرفت ذلك فنقول: أمَّا أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر وإلا وقع الدور٢. وأمَّا أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف. وأمَّا القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال، وذلك لأنَّا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي، فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي؛ لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل العقلي فإما أن نكذب بالعقل، وإمَّا أن يُؤول النقل، فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته إلَّا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلَّا العقل، فحينئذٍ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذًا لا يكون النقل٣ مقطوع الصحة.

فإذًا تصحيح النقل بردِّ العقل يتضمن القدح في النقل، وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلًا، وتعين تأويل النقل. فإذًا الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلَّا بشرط ألَّا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره، فحينئذٍ لا يكون الدليل النقلي مفيدًا للمطلوب إلَّا إذا أثبتنا أنه ليس في العقل ما

  1. (١) «نهاية العقول» (١/ ١٤٣ - ١٤٥).
  2. (٢) الدور: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه. «التعريفات» (ص ٤٧). وقيل: هو علاقة بين شرطين يتوقف ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر. «المعجم الفلسفي» (١/ ٥٦٧).
  3. (٣) «ح»، «م»: «العقل». والمثبت من «نهاية العقول».
779

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي