يقتضي خلاف ظاهره. ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك إلَّا من وجهين:
إمَّا أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي، وحينئذٍ يصير الاستدلال بالنقل فضلًا غير محتاج إليه.
وإمَّا بأن نزيف أدلة المنكرين لما دلَّ عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيفٌ لما بيَّنا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه ألَّا يكون هناك معارض أصلًا، إلَّا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه١، ولكنا زيَّفنا هذه الطريقة - يعني: انتفاء الشيء لانتفاء دليله - أو نقيم٢ دلالةً قاطعةً على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النصِّ، ولا المقدمة الأخرى، وحينئذٍ نحتاج إلى إقامة الدليل على أن كل واحدةٍ من هذه المقدِّمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر.
فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على ذلك، فإذًا الدليل النقلي تتوقف إفادته اليقين على مقدمة غير يقينية، وهي عدم دليل عقلي، وكل ما يبتنى صحته على ما لا يكون يقينًا لا يكون هو أيضًا يقينًا، فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدًا لليقين».
قال: «وهذا بخلاف الأدلة العقلية، فإنها مركبة من مقدِّمات لا يُكتفى فيها بألَّا يُعلم فسادها، بل لا بد وأن يُعلم بالبديهة صحتها، أو٣ يُعلم بالبديهة لزومها ممَّا عُلم صحته بالبديهة، ومتى كان كذلك استحال أن يُوجد
(١) بعده في «ح»: «على». وهي زائدة.
(٢) «ح»: «ويقيم». والمثبت من «م» و«نهاية العقول».
(٣) «ح»: «إذ» والمثبت من «نهاية العقول».
ما يُعارضه؛ لاستحالة التعارض في العلوم البديهية».
ثم قال١: «فإن قيل: إن الله سبحانه لمَّا أسمع المكلف الكلام الذي يُشعر ظاهره بشيءٍ، فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يُخطِر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلَّا كان ذلك تلبيسًا من الله تعالى، وإنه غير جائز.
قلنا: هذا بناء على قاعدة الحُسن والقُبح، وأنه يجب على الله سبحانه شيءٌ، ونحن لا نقول بذلك. سلمنا٢ ذلك، فلِمَ قلتم: إنه يجب على الله أن يُخطِر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي؟ وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسًا على المكلف لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلَّا ما أشعر به ظاهره. وليس الأمر كذلك؛ لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر [ثم إنه يجوز أن يكون هناك دليل على خلاف ذلك الظاهر]٣ فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقصير٤ واقعًا من المكلف لا من قِبَل الله تعالى، حيث قطع لا في موضع القطع.
فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون مُلبِّسًا».
(١) «نهاية العقول» (١/ ١٤٥ - ١٤٦).
(٢) «نهاية الإقدام»: «ثم إن سلمنا».
(٣) ليس في «ح»، «م». وأثبته من «درء التعارض» (٥/ ٣٣٤) و«نهاية الإقدام».