ثم قال١: «فإن قيل: إن الله سبحانه لمَّا أسمع المكلف الكلام الذي يُشعر ظاهره بشيءٍ، فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يُخطِر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلَّا كان ذلك تلبيسًا من الله تعالى، وإنه غير جائز.
قلنا: هذا بناء على قاعدة الحُسن والقُبح، وأنه يجب على الله سبحانه شيءٌ، ونحن لا نقول بذلك. سلمنا٢ ذلك، فلِمَ قلتم: إنه يجب على الله أن يُخطِر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي؟ وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسًا على المكلف لو أسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلَّا ما أشعر به ظاهره. وليس الأمر كذلك؛ لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر [ثم إنه يجوز أن يكون هناك دليل على خلاف ذلك الظاهر]٣ فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقصير٤ واقعًا من المكلف لا من قِبَل الله تعالى، حيث قطع لا في موضع القطع.
فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون مُلبِّسًا».
(١) «نهاية العقول» (١/ ١٤٥ - ١٤٦).
(٢) «نهاية الإقدام»: «ثم إن سلمنا».
(٣) ليس في «ح»، «م». وأثبته من «درء التعارض» (٥/ ٣٣٤) و«نهاية الإقدام».
(٤) «نهاية الإقدام»: «التقدير التقصير».
قال١: «فخرج ممَّا٢ ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية. نعم، يجوز التمسك بها في المسائل النقلية، تارةً لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع [ق ٨٨ أ] وخبر الواحد، وتارةً لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية». انتهى.
فليتدبَّر المؤمن هذا الكلام، وليرُدَّ أوله على آخره وآخره على أوله ليتبيَّن له ما ذكرناه عنهم من العزل٣ التام للقرآن والسُّنَّة عن أن يستفاد منهما علمٌ أو يقين في باب معرفة الله، وما يجب له وما يمتنع عليه، وأنه لا يجوز أن يُحتج بكلام الله ورسوله في شيءٍ من هذه المسائل.
وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس والتدليس على الخلق، وتوريطهم في طُرق الضلال، وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال.
وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك، إذ قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه، فإن غاية ما يمكن أن يُحتج بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثلَ الإخبار بأن على قُلَّة جبل قاف غُرابًا صفته كيت وكيت، أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد.
وأن مقدِّمات أدلة القرآن والسُّنَّة غير معلومةٍ ولا متيقنة الصحة، ومقدمات أدلة أرسطو - صاحب المنطق - والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعيةٌ معلومة الصحة.