الصواعق المرسلة

قال١: «فخرج ممَّا٢ ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية. نعم، يجوز التمسك بها في المسائل النقلية، تارةً لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع [ق ٨٨ أ] وخبر الواحد، وتارةً لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية». انتهى.

فليتدبَّر المؤمن هذا الكلام، وليرُدَّ أوله على آخره وآخره على أوله ليتبيَّن له ما ذكرناه عنهم من العزل٣ التام للقرآن والسُّنَّة عن أن يستفاد منهما علمٌ أو يقين في باب معرفة الله، وما يجب له وما يمتنع عليه، وأنه لا يجوز أن يُحتج بكلام الله ورسوله في شيءٍ من هذه المسائل.

وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس والتدليس على الخلق، وتوريطهم في طُرق الضلال، وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال.

وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك، إذ قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه، فإن غاية ما يمكن أن يُحتج بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثلَ الإخبار بأن على قُلَّة جبل قاف غُرابًا صفته كيت وكيت، أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد.

وأن مقدِّمات أدلة القرآن والسُّنَّة غير معلومةٍ ولا متيقنة الصحة، ومقدمات أدلة أرسطو - صاحب المنطق - والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعيةٌ معلومة الصحة.

  1. (١) «نهاية العقول» (١/ ١٤٦).
  2. (٢) «ح»: «ما». والمثبت من «م»، «نهاية العقول».
  3. (٣) «ح»: «العدل». والمثبت من «م».
782

وأنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة السمعية في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته البتة؛ لتوقفها على انتفاء ما لا طريق لنا إلى العلم بانتفائه، وأن الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فضلة لا يُحتاج إليها، بل هي مستغنًى عنها إذا كان موافقًا للعقل.

فتأمَّل هذا البنيان الذي بنوه، والأصل الذي أصَّلوه، هل في قواعد الإلحاد أعظم هدمًا منه لقواعد الدِّين، وأشد مناقضةً منه لوحي ربِّ العالمين؟! وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرُّسل، وعند جميع أهل الملل.

وهذه الوجوه المتقدمة التي ذكرناها هي قليلٌ من كثيرٍ ممَّا يدل على بطلانه. ومقصودنا من ذكره اعترافهم به بألسنتهم لا بإلزامنا لهم به. وتمام إبطاله أن نُبيِّن١ فساد كل مقدمة من مقدمات الدليل الذي عارضوا به النقل وأنها مخالفة للعقل كما هي مناقضة للوحي، والله يعلم أنَّا عازمون على ذلك وبيانه على التفصيل في جميع أدلتهم إن ساعد التوفيق. ويجب على كل مؤمنٍ بالله ورسوله أن يعتقد ذلك جملةً، وإن لم يُحط٢ به تفصيلًا، ولا يضع قدمه في أول درجة من درجات الإيمان إلَّا بذلك. والمقصود أن مناقضة هذا الأصل الإيمان بالله ورسوله كمناقضة أحد الضدَّين للآخر، وبالله التوفيق.

الوجه الثالث والعشرون بعد المائة: أن يقال: كل ما أخبر به الرسول عن الله سبحانه إثباتًا ونفيًا فهو واجب عليه وممتنع عليه، أو ما أثبته له فهو كمالٌ،

  1. (١) «ح»: «يتبين». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «يحيط».
783

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي