الصواعق المرسلة

عليها وطلبت منهم البرهان على صحتها، قالوا١: هكذا قال العقلاء أرباب المعقولات. وسلفهم ليسوا فيها على بصيرةٍ، بل على خَرْصٍ وحَدْسٍ وتخمينٍ، فالسلف خرَّاصون، والخلف عُميٌ مقلدون.

وإذا تأملها اللبيب العاقل الفطن وجدها مبنيةً على ألفاظٍ مجملةٍ ومعاني مشتبهة، متى استفسرتهم عن معانيها وفصَّلت مجملها تجدها دعاوى كاذبة، تتضمن الجمع بين المختلفات، والتفريق بين المتماثلات:

فيجمعون بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين لاشتراكهما في بعض الصِّفات، ويفرقون بين المثلينِ من كل وجهٍ بالدعاوى الكاذبات.

ويثبتون الشيء وينفون لازمه، وينفون الشيء ويثبتون ملزومه.

ويقدحون في الضروريات بالقضايا الوهميات.

ويجعلون الذهني خارجًا، ويصفون الوجود الخارجي بما ينافي وجوده، وواجب الوجود بما يجعله ممتنع الوجود.

ويجردون الماهية عن صفاتها التي لا تحقق إلَّا بها، ثم يجعلون الصفة هي الذات.

ويجعلون العاقل والمعقول والعقل شيئًا واحدًا.

ويجعلون العلم هو نفس المعلوم، والفعل هو عين المفعول.

وواجب الوجود الذي يمتنع عدمه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بغير شرط الذي يمتنع وجوده٢.

  1. (١) «ح»: «قال».
  2. (٢) كذا في «ح» والعبارة مختلة، والذي في «درء التعارض» (٥/ ٣١٣): «وهذا يقول: وجوده وجود مطلق: إما بشرط الإطلاق، وإما مطلقًا لا بشرط، وإما بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه، وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات».
786

إلى أضعاف أضعاف ذلك من مقالاتهم التي هي عند من فهمها وعرف مضمونها١ ضحكةٌ للعاقل تارةً، وأعجوبةٌ له تارةً، ومغضبةٌ له تارةً.

ومثل هذه المعقولات لو٢ تصرف بها الرجل في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسد التجارة والصناعة، فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات ربِّ البرية، ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه؟!

وإنما عظمت الشبهة بذلك بأن أقوامًا لهم نوع ذكاءٍ تميزوا٣ به في أنواع من العلوم، ولم تكن لهم خبرة بالأمور الإلهية كخبرتهم بتلك العلوم، فخاضوا فيها بعقولهم، وظنُّوا أنهم يبرزون فيها كما برزوا في تلك العلوم، وظنَّ المقلدون لهم ذلك أيضًا، فرُكِّب من ظنِّهم وظنِّ مقلَّدهم اعتقادها والدعوة إليها، وإساءةُ الظن بما خالفها. ثم إنهم رأوا النصوص واقفة في طريقها، فقاموا لها وقعدوا، وجدوا في دفعها واجتهدوا، فتارةً سطوا عليها بالتأويل، وتارة نسبوا من تكلم بها إلى قصد التخييل، ودفعوا بجهدهم في الصدور منها والأعجاز، وقالوا: لا مقام لك عندنا ولا عبور لك علينا، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز!

  1. (١) «ح»: «ستمونها». ولعل المثبت هو الصواب، والذي في «درء التعارض» (٥/ ٣١٤): «حقيقة قول أصحابها».
  2. (٢) «ح»: «لم». والمثبت من «درء التعارض» (٥/ ٣١٤).
  3. (٣) «ح»: «تميزون». والمثبت من «درء التعارض» (٥/ ٣١٤).
787

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي