وأيضًا فإنها لا تخلو عن الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين؛ فهي حادثة، فإذا لم تَخْلُ الأجسام عنها لزم حدوثها.
وأيضًا فإن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة١، والمركب مفتقر إلى جزئه، وجزؤه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلَّا حادثًا مخلوقًا.
وأيضًا فالأجسام متماثلة، كل ما صحَّ على بعضها صحَّ على جميعها، وقد صحَّ على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها.
قالوا: وبهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسمًا، وإمكان المعاد، فلو بطل الدليل على حدوث الجسم بطل الدليل الدال على إثبات الصانع وصدق الرسول. فصار العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول وحدوث العالم وإمكان المعاد موقوفًا على نفي الصِّفات والأفعال، فإذا جاء في السمع ما يدل على إثبات الصِّفات والأفعال لم يمكن القول بموجبه، ويُعلم أن الرسول لم يُرد إثبات ذلك؛ لأن إرادته لإثباته تنافي تصديقه، ثم إمَّا أن يُكذِّب الناقل، وإمَّا أن يَتأول المنقول، وإمَّا أن يُعرِض عن ذلك جملةً كافةً، ويقول: لا نعلم المراد.
فهذا أصل ما بنى عليه القوم دينهم وإيمانهم، ولم يُقيَّض لهم من يُبيِّن لهم فساد هذا الأصل وبطلانه، ومخالفته لصريح العقل. بل قُيِّض لهم من المنتسبين إلى السُّنَّة من وافقهم عليه، ثم أخذ يُشنع عليهم القول بنفي الصِّفات والأفعال، وتكليم الربِّ لخلقه، ورؤيته في الدار الآخرة، وعلوه
(١) «م»: «الفرد».
على خلقه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سماء الدنيا، فأضحكهم عليه، وأغراهم به، ونسبوه إلى ضعف العقل والحشو والبله. والمصيبة مركبة من عدوان هؤلاء وبغيهم وظلمهم، وتقصير أولئك وموافقتهم لهم في الأصل، ثم تكفيرهم وتبديعهم في القول بفروعه ولوازمه.
وهذه الطريق من الناس من يظنها من لوازم الإيمان، وأن الإيمان لا يتم إلَّا بها، ومن لم يعرف ربَّه بهذه الطريق لم يكن مؤمنًا به، ولا بما جاء به رسوله. وهذا يقوله الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية، بل أكثرهم، وكثيرٌ من المنتسبين إلى الأئمة الأربعة، وكثيرٌ من أهل الحديث والصوفية.
ومن الناس من يقول: ليس الإيمان موقوفًا عليها، ولا هي من لوازمه، وليست طريقة الرُّسل، ويحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل، وإن لم يعتقد بطلانها. وهذا قول أبي الحسن الأشعري نفسه، فإنه صرَّح بذلك في «رسالته إلى أهل الثغر»١ وبيَّن أنها طريقةٌ خطرةٌ مذمومةٌ محرمةٌ، وإن كانت غير باطلة، ووافقه على هذا جماعةٌ من أصحابه من أتباع الأئمة.
وقالت طائفة أخرى: بل هي طريقٌ في نفسها متناقضةٌ مستلزمةٌ لتكذيب الرسول [ق ٩٠ أ] لا يتم سلوكها إلَّا بنفي ما أثبته، وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، كما هي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله، وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد. فإن هذه الطريقة لا تتم إلَّا بنفي سمع الربِّ وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه، فضلًا عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصِّفات الخبرية من أولها إلى آخرها، ولا تتم إلَّا بنفي٢ أفعاله جملةً وأنه لا يفعل