ذلك الوقت دون ما قبله. وهذا ممَّا أغرى١ الفلاسفة بالقول بقدم العالم، ورأوا أنه خيرٌ من القول بذلك.
بل حقيقة هذا القول أن الفعل لم يزل ممتنعًا منه أزلًا وأبدًا، إذ يستحيل قيامه به. وعن هذه الطريق قال جهم ومن وافقه بفَناء الجنة وفناء أهلها وعدمهم٢ عدمًا محضًا. وعنها قال أبو الهذيل العلاف بفناء حركاتهم دون ذواتهم، فإذا رفع أحدهم اللقمة إلى فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك، وتبقى كذلك أبد الآبدين، وإذا جامع الحوراء وفنيت الحركات يبقيان كذلك في تلك الحال أبد الآبدين، فيبقون في سكون الأحجار.
وعن هذه الطريق قالت الجهمية: إن الله في كل مكان بذاته. وقال إخوانهم: ليس في العالم، ولا خارج العالم، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا مباينًا له، ولا محايثًا له، ولا٣ فوقه ولا خلفه، ولا أمامه ولا وراءه.
وعنها قال من قال: إن ما شاهده من الأعراض الثابتة كالأكوان والمقادير والأشكال تتبدل في كل نَفَسٍ ولحظةٍ، ويخلفها غيرها، حتى قال من قال: إن الروح عَرَضٌ، وإن٤ الإنسان يستحدث في كل ساعةٍ عدة أرواح، تذهب له روحٌ، وتجيء غيرها.
وعنها قال من قال: إن جسم أنتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب الطيب في الحدِّ والحقيقة، لا فرق بينهما إلَّا بأمر عرضي، وإن جسم النار
(١) «ح»: «اعترى». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «عرفهم». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «و». والمثبت من «م».
(٤) «ح»: «إن». والمثبت من «م».
مساوٍ لجسم الماء في الحدِّ والحقيقة.
وعنها قالوا: إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تُؤكل وتُشرب وتُرى وتُسمع وتُلمس، وإن الحواس الخمس تتعلق بكل موجودٍ.
وعنها قالوا: إن الله سبحانه لم يُكلِّم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، ولا تجلى للجبل، ولا يتجلى لعباده يوم القيامة. وقالوا: ليس [له]١ وجهٌ يراه المؤمنون، ولا يدٌ خلق بها آدم وكتب بها التوراة وغرس بها جنة عدن ويقبض بها السماواتِ، والأرضُ بيدٍ أخرى، ليس لشيءٍ٢ من ذلك حقيقة، إنْ هو إلَّا مجازات واستعارات وتخييلات.
وعنها قالوا: إن الله لا يُحِب ولا يُحَب، ولا يغضب ولا يرضى، ولا يضحك ولا يفرح، ولا له رحمة ولا رأفة في الحقيقة. بل ذلك كله إرادةٌ محضةٌ، أو ثوابٌ منفصلٌ مخلوقٌ سُمِّي بهذه الأسماء.
وعنها قالوا: إن الكلام معنًى واحد بالعين، لا ينقسم ولا يتبعض، ولا له جزءٌ ولا كلٌّ، وهو الأمر بكل مأمورٍ، والنهي عن كل منهيٍّ، والخبر عن كل مُخبرٍ عنه، والاستخبار عن كل مستخبرٍ عنه. كل ذلك حقيقة واحدة بالعين.
وكذلك قالوا في العلم: [ق ٩٠ ب] إنه أمرٌ واحدٌ، فالعلم بوجود الشيء هو عين٣ العلم بعدمه، لا فرق بينهما البتة، وإنما يتعدد التعلق.