الصواعق المرسلة

مساوٍ لجسم الماء في الحدِّ والحقيقة.

وعنها قالوا: إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تُؤكل وتُشرب وتُرى وتُسمع وتُلمس، وإن الحواس الخمس تتعلق بكل موجودٍ.

وعنها قالوا: إن الله سبحانه لم يُكلِّم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، ولا تجلى للجبل، ولا يتجلى لعباده يوم القيامة. وقالوا: ليس [له]١ وجهٌ يراه المؤمنون، ولا يدٌ خلق بها آدم وكتب بها التوراة وغرس بها جنة عدن ويقبض بها السماواتِ، والأرضُ بيدٍ أخرى، ليس لشيءٍ٢ من ذلك حقيقة، إنْ هو إلَّا مجازات واستعارات وتخييلات.

وعنها قالوا: إن الله لا يُحِب ولا يُحَب، ولا يغضب ولا يرضى، ولا يضحك ولا يفرح، ولا له رحمة ولا رأفة في الحقيقة. بل ذلك كله إرادةٌ محضةٌ، أو ثوابٌ منفصلٌ مخلوقٌ سُمِّي بهذه الأسماء.

وعنها قالوا: إن الكلام معنًى واحد بالعين، لا ينقسم ولا يتبعض، ولا له جزءٌ ولا كلٌّ، وهو الأمر بكل مأمورٍ، والنهي عن كل منهيٍّ، والخبر عن كل مُخبرٍ عنه، والاستخبار عن كل مستخبرٍ عنه. كل ذلك حقيقة واحدة بالعين.

وكذلك قالوا في العلم: [ق ٩٠ ب] إنه أمرٌ واحدٌ، فالعلم بوجود الشيء هو عين٣ العلم بعدمه، لا فرق بينهما البتة، وإنما يتعدد التعلق.

  1. (١) «له» ليس في «ح». وزدته ليستقيم الكلام.
  2. (٢) «ح»: «بشيء».
  3. (٣) «ح»: «غير». والمثبت من «م».
796

وكذلك قالوا: إن إرادة إيجاد الشيء هي١ نفس إرادة إعدامه ليس هنا إرادتان٢، وكذلك رؤية زيدٍ هي نفس رؤية عمرٍو.

ومعلوم أن هذا لا يُعقل، بل هو مخالف لصريح العقل، وهذا كله وأمثاله نشأ عن هذه الطريق واعتقاد صحتها.

ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعًا، ولا صفةً من صفاته، ولا فعلًا من أفعاله، ولا نبوةً، ولا مبدأً، ولا معادًا، ولا حكمةً؛ بل هي مستلزمة لنفي ذلك كله صريحًا، أو لزومًا بيِّنًا أو بوسطٍ٣. فالطريق التي جعلوها أصلًا للدِّين هي أصل المناقضة للدِّين وتكذيب الرسول.

وجاء آخرون فراموا إثبات الصِّفات والأفعال وموافقتهم في هذه الطريق، فتجشموا أمرًا ممتنعًا، واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها، فجاؤوا بطريقة بين النفي والإثبات. لم يُوافقوا فيها المعطلة النُّفاة، ولم يسلكوا فيها مسلك أهل الإثبات، فجاءت طريقًا بين الطريقتين، ومقالة بين المقالتين، لم يكونوا فيها بررةً أتقياءَ، ولا فجرةً أقوياءَ. وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين المعقول والمنقول، ويصلون في هذه الطريق إلى تصديق الرَّسول، وصار كثيرٌ من الناس يحب النظر والبحث والمعقول، وهو مع ذلك يريد ألَّا٤ يخرج عمَّا جاء به الرسول، ويرى أن هذا المسلك أصح من مسلك أولئك

  1. (١) «ح»: «هو». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «إرادات». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «يوسط». وينظر «مجموع الفتاوى» (٩/ ١٧٩) و«الرد على المنطقيين» (ص ١٩٠).
  4. (٤) «ح»: «أن». والمثبت من «م».
797

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي