الصواعق المرسلة

وكذلك قالوا: إن إرادة إيجاد الشيء هي١ نفس إرادة إعدامه ليس هنا إرادتان٢، وكذلك رؤية زيدٍ هي نفس رؤية عمرٍو.

ومعلوم أن هذا لا يُعقل، بل هو مخالف لصريح العقل، وهذا كله وأمثاله نشأ عن هذه الطريق واعتقاد صحتها.

ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعًا، ولا صفةً من صفاته، ولا فعلًا من أفعاله، ولا نبوةً، ولا مبدأً، ولا معادًا، ولا حكمةً؛ بل هي مستلزمة لنفي ذلك كله صريحًا، أو لزومًا بيِّنًا أو بوسطٍ٣. فالطريق التي جعلوها أصلًا للدِّين هي أصل المناقضة للدِّين وتكذيب الرسول.

وجاء آخرون فراموا إثبات الصِّفات والأفعال وموافقتهم في هذه الطريق، فتجشموا أمرًا ممتنعًا، واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها، فجاؤوا بطريقة بين النفي والإثبات. لم يُوافقوا فيها المعطلة النُّفاة، ولم يسلكوا فيها مسلك أهل الإثبات، فجاءت طريقًا بين الطريقتين، ومقالة بين المقالتين، لم يكونوا فيها بررةً أتقياءَ، ولا فجرةً أقوياءَ. وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين المعقول والمنقول، ويصلون في هذه الطريق إلى تصديق الرَّسول، وصار كثيرٌ من الناس يحب النظر والبحث والمعقول، وهو مع ذلك يريد ألَّا٤ يخرج عمَّا جاء به الرسول، ويرى أن هذا المسلك أصح من مسلك أولئك

  1. (١) «ح»: «هو». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «إرادات». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «يوسط». وينظر «مجموع الفتاوى» (٩/ ١٧٩) و«الرد على المنطقيين» (ص ١٩٠).
  4. (٤) «ح»: «أن». والمثبت من «م».
797

النُّفاة، وأنه لا طريق غير الطريقين، وتلك لا سبيل إلى المصير إليها، فتعيَّن المصير إلى هذه الطريق.

ولما أصَّل هؤلاء هذا الأصل، وجاؤوا إلى تفصيله ظهر سرُّ تأصيلهم في تفصيلهم، ودلَّ بطلان تفصيلهم على فساد تأصيلهم، فإنهم أصَّلوا تأصيلًا مستلزمًا لبطلان التفصيل، ثم فصَّلوا تفصيلًا دلَّ على بطلان الأصل وفساده، فصاروا حائرين بين التأصيل والتفصيل. وصار من طرد منهم هذا الأصل خرج عن العقل والسمع بالكلية، وبالغ في التعطيل والإلحاد. ومن لم يطرده تناقَضَ واضطربت أقواله. وقد سلك الناس في إثبات الصانع وحدوث العالم طرقًا متعددة سهلة قريبة موصلة١ إلى المقصود، لم يتعرضوا فيها لطريقة هؤلاء بوجهٍ، وذموا هذه الطريقة.

قال الخطابي٢: «وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض مذهب الفلاسفة، وأخذوه عنهم. وفي الأعراض اختلافٌ كثيرٌ٣، منهم من ينكرها ولا يثبتها رأسًا، ومنهم من لا يُفرِّق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة بأنفسها كالجواهر».

قلت: ومنهم من يقول بكمونها وظهورها، ومنهم من يقول بعدم بقائها. ثم سلك طرقًا في إثبات الصانع، منها الاستدلال بأحوال الإنسان من مبدئه إلى غايته، والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ذلك.

  1. (١) «ح»: «موصولة». والمثبت من «م».
  2. (٢) قاله في كتابه «شعار الدين»، وهو كتاب مفقود حسب علمي، وهذا القول قد نقله عنه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٢/ ١٤١ - ١٤٣).
  3. (٣) «ح»: «كثيرة». والمثبت من «م».
798

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي