الصواعق المرسلة

النُّفاة، وأنه لا طريق غير الطريقين، وتلك لا سبيل إلى المصير إليها، فتعيَّن المصير إلى هذه الطريق.

ولما أصَّل هؤلاء هذا الأصل، وجاؤوا إلى تفصيله ظهر سرُّ تأصيلهم في تفصيلهم، ودلَّ بطلان تفصيلهم على فساد تأصيلهم، فإنهم أصَّلوا تأصيلًا مستلزمًا لبطلان التفصيل، ثم فصَّلوا تفصيلًا دلَّ على بطلان الأصل وفساده، فصاروا حائرين بين التأصيل والتفصيل. وصار من طرد منهم هذا الأصل خرج عن العقل والسمع بالكلية، وبالغ في التعطيل والإلحاد. ومن لم يطرده تناقَضَ واضطربت أقواله. وقد سلك الناس في إثبات الصانع وحدوث العالم طرقًا متعددة سهلة قريبة موصلة١ إلى المقصود، لم يتعرضوا فيها لطريقة هؤلاء بوجهٍ، وذموا هذه الطريقة.

قال الخطابي٢: «وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض مذهب الفلاسفة، وأخذوه عنهم. وفي الأعراض اختلافٌ كثيرٌ٣، منهم من ينكرها ولا يثبتها رأسًا، ومنهم من لا يُفرِّق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة بأنفسها كالجواهر».

قلت: ومنهم من يقول بكمونها وظهورها، ومنهم من يقول بعدم بقائها. ثم سلك طرقًا في إثبات الصانع، منها الاستدلال بأحوال الإنسان من مبدئه إلى غايته، والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ذلك.

  1. (١) «ح»: «موصولة». والمثبت من «م».
  2. (٢) قاله في كتابه «شعار الدين»، وهو كتاب مفقود حسب علمي، وهذا القول قد نقله عنه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٢/ ١٤١ - ١٤٣).
  3. (٣) «ح»: «كثيرة». والمثبت من «م».
798

ثم قال: «والاستدلال بطريق الأعراض لا يصح إلَّا بعد استبراء هذه الشُّبه، وطريقنا الذي سلكناه بريءٌ من هذه الآفات، سليمٌ من هذه الريب».

قال: «وقد سلك بعض مشايخنا في هذا طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة التي دلائلها مأخوذة من طريق الحسِّ لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلًا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ».

قال: «وهذا النوع مقنع في الاستدلال لمن لم يتسع فهمه لإدراك وجوه الأدلة، ولم يتبين معاني تعلق الأدلة بمدلولاتها، ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها».

قلت: وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحسِّ والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يُسميها الله سبحانه آياتٍ بيناتٍ، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها.

فإن انقلاب عصًا تُقِلُّها١ اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يمرُّ به، ثم يعود عصًا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدِّين في هذه العصا.

وكذلك اليد [ق ٩١ أ] وفَلْق البحر طُرقًا والماء قائمٌ بينهما كالحيطان،

  1. (١) أقل الشيء يقله: إذا رفعه وحمله. «النهاية في غريب الحديث» (٤/ ١٠٤).
799

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي