وكلهم أنكروا أشرف ما في الجنة، وأجلَّ نعيمها، وأفضله على الإطلاق - الذي ما طابت الجنة إلَّا به - وهو النظر إلى وجه الربِّ ﵎ من فوقهم، وسماع كلامه، وتسليمه عليهم، وخطابه لهم، بل هذا حقيقة الجنة، ورأس نعيمها؛ فنفوه وكذبوا به، وأثبتوا أكلًا وشربًا وجماعًا، ثم قالوا بنفاده وانقطاعه.
وهذا باب إذا تتبعه١ من يعلم ما عند القوم وما جاءت به الرُّسل ويعتبر هذا بهذا يجد أقوالهم مشتقة من أقوال أعداء الرسل.
الوجه التاسع والعشرون بعد المائة: أن الكلام في الدِّين نوعان: أمرٌ وخبرٌ، فما عارض الأمر كان من باب الهوى الذي يأمر به الشيطان٣ والنفس، وما عارض الخبر كان من باب الظنِّ والخرص الذي هو أكذب الحديث. وهؤلاء لا تجدهم إلَّا وقد جمعوا بين الأمرين، فهم في الإرادات تابعون لأهوائهم، وفي الاعتقادات تابعون لظنونهم. قال الله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُ وَلَقَد جَّاءَهُم مِّن رَّبِّهِمِ اِلْهُدى﴾[النجم: ٢٣].
بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. فالاستمتاع بالخَلَاق١ اتباع الهوى والشهوات، والخوض اتباع الباطل والشبهات. وقد نزَّه سبحانه رسوله عن طريقة هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَاَلنَّجْمِ إِذَا هَوى ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوى﴾[النجم: ١ - ٢]. فنزَّهه عن الضلال الذي هو نقيض الهُدى، وعن الغي الذي هو نقيض الرُّشد. وقال النبي ﷺ في خلفائه: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي»٢.
والمقصود أن ما ناقض خبر الرسل كان كذبًا وضلالًا [وقولًا]٣ على الله غير الحقِّ. وقد نهى الله سبحانه أن يقال عليه غير الحقِّ، وأخذ الميثاق على اتباع الرُّسل بذلك، فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ اُلْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾[الأعراف: ١٦٩]. وقال: ﴿يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾[النساء: ١٧٠]. وأخبر سبحانه أنه لا بد
(١) الخَلاق: الحظ والنصيب. «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٧٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١٧٤١٦، ١٧٤١٨، ١٧٤١٩) وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) عن العرباض بن سارية ﵁. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وصحَّحه ابن حبان (٥) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٧). وقال أبو نعيم في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٣٦): «هذا حديث جيد صحيح من حديث الشاميين». وقال الجورقاني في «الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير» (١/ ٤٧٣): «هذا حديث صحيح ثابت مشهور». وقال البغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٠٥): «هذا حديث حسن». وصححه الضياء المقدسي في «اتباع السنن واجتناب البدع» (ص ٢٠) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٧٧) وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢) وابن حجر في «موافقة الخُبر الخبر» (١/ ١٣٧).