الصواعق المرسلة

بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. فالاستمتاع بالخَلَاق١ اتباع الهوى والشهوات، والخوض اتباع الباطل والشبهات. وقد نزَّه سبحانه رسوله عن طريقة هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَاَلنَّجْمِ إِذَا هَوى ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوى﴾ [النجم: ١ - ٢]. فنزَّهه عن الضلال الذي هو نقيض الهُدى، وعن الغي الذي هو نقيض الرُّشد. وقال النبي ﷺ في خلفائه: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي»٢.

والمقصود أن ما ناقض خبر الرسل كان كذبًا وضلالًا [وقولًا]٣ على الله غير الحقِّ. وقد نهى الله سبحانه أن يقال عليه غير الحقِّ، وأخذ الميثاق على اتباع الرُّسل بذلك، فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ اُلْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وقال: ﴿يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧٠]. وأخبر سبحانه أنه لا بد

  1. (١) الخَلاق: الحظ والنصيب. «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٧٠).
  2. (٢) أخرجه الإمام أحمد (١٧٤١٦، ١٧٤١٨، ١٧٤١٩) وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) عن العرباض بن سارية ﵁. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وصحَّحه ابن حبان (٥) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٧). وقال أبو نعيم في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٣٦): «هذا حديث جيد صحيح من حديث الشاميين». وقال الجورقاني في «الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير» (١/ ٤٧٣): «هذا حديث صحيح ثابت مشهور». وقال البغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٠٥): «هذا حديث حسن». وصححه الضياء المقدسي في «اتباع السنن واجتناب البدع» (ص ٢٠) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٧٧) وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢) وابن حجر في «موافقة الخُبر الخبر» (١/ ١٣٧).
  3. (٣) سقط من «ح»، وأثبته بدلالة السياق.
811

أن ينال المفترين غضبٌ من ربهم وذلةٌ في الحياة الدُّنيا١، وأعظَمُ الافتراء: الفريةُ عليه سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله. وقد ضمن سبحانه أنه لا بد أن يخيب٢ أهل الافتراء ولا يُهدى كيدهم٣، وأنه يسحتهم بعذابه، أي: يستأصلهم٤. قال تعالى إخبارًا عن كليمه موسى أنه قال لرؤوس المعطلة وأئمتهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ [طه: ٦٠].

وهذه الأصول التي عارضوا بها الكتاب والسُّنَّة تشتمل على الكذب والفرية في مسائلها ودلائلها، كأصول الملاحدة من الفلاسفة والدهرية النافين لما أخبر الله به من أصول الإيمان الخمس، وأصول الجهمية المناقضة لما أخبر به من أسمائه وصفاته وأفعاله، وأصول القدرية المعارضة لما أخبر به من عموم قدرته ومشيئته، وأصول الملاحدة الاتحادية التي رفعت العقل والنقل والحسَّ، وأبطلت الخلق والأمر والنبوة والرسالة والثواب والعقاب. وأصول هؤلاء كلهم أصول الزندقة والاتحاد المناقضة للعقل والدِّين.

الوجه الثلاثون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين [ق ٩٣ أ] لا يتم لهم ما ادعوه من المعارضة إلَّا بأربعة أمور يستلزمها قولهم: لبس الحق بالباطل

  1. (١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ اَتَّخَذُوا اُلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي اِلْحَيَاةِ اِلدُّنْيا وَكَذَلِكَ نَجْزِي اِلْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
  2. (٢) «ح»: «يحسب». والمثبت بدلالة الآية التالية.
  3. (٣) «ح»: «كبيرهم».
  4. (٤) ينظر «التفسير البسيط» للواحدي (١٤/ ٤٣٥).
812

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي