الصواعق المرسلة

الرسول شاعرٌ وكاهنٌ ومجنونٌ وطالب مُلكٍ ورياسةٍ وصيت في العالم. فأخذوا قدرًا مشتركًا بين الشِّعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحُسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس، فقالوا: هو شاعرٌ، وهذا شعرٌ. وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحًا.

وقالوا: هو كاهنٌ. لأن الكاهن كان عندهم معروفًا بالإخبار عن الأمور [ق ٩٣ ب] الغائبة التي لا يُخبر بها غيره، وكذلك هذا المدَّعي لذلك مثله١.

وقالوا: مجنونٌ. لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس.

وقالوا: ساحرٌ. لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون، ويُحبب تارةً، ويُنفر أخرى. ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة - وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد - ففكر وقدَّر، ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحرٌ؛ لأنه يُفرِّق بين المرء وزوجه، ومحمد يفعل ذلك؛ فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو أسلم زوجها دونها وقعت الفُرقة بينهما والعداوة.

وكذلك قولهم عن القرآن: أساطير الأولين. أخذوا قدرًا مشتركًا بينهما وهو جنس الإخبار عمَّا أخبر عنه الأولون.

وهكذا قولهم: هو طالب ملك ورياسة وصيت.

والمقصود أن كل مبطلٍ فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق، ثم يلبس٢ ما يدعو إليه خصائص الحقَّ، .....................................

  1. (١) «ح»: «لك مثاله». ولعل المثبت هو الصواب.
  2. (٢) «ح»: «يلبسوا».
816

وما ينفر١ عنه خصائص الباطل. وهذا شأن الساحر بكلامه يخرج الحقَّ في صورة الباطل فيُنفر عنه، والباطل في صورة الحقِّ فيُرغب فيه.

إذا عُرف هذا فهؤلاء أخذوا قدرًا مشتركًا بين ما أثبته الله لنفسه من الصِّفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك، وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الربِّ سبحانه، ثم ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها، ثم جعلوا حكمها حكم خصائص المخلوقين، فأخطؤوا من أربعة أوجه.

مثاله: أنهم أخذوا قدرًا مشتركًا بين اليد القديمة والحادثة، ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة، ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد، ثم جعلوا خصائص إحداهما هي خصائص الأخرى، واعتبر هذا منهم في كل صفةٍ يريدون نفيها. يوضحه:

الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة: أنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميِّز، وميزت هذا من هذا صحَّ نظرك ومناظرتك، وزال عنك اللبس والتلبيس. وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي، فهذه اللوازم يجب إثباتها، ولا يصح نفيها؛ إذ نفيها ملزومٌ لنفي٢ الصفة.

مثاله: الفعل والإدراك للحياة، فإن كل حيٍّ فعالٌ مدركٌ، وإدراك المسموعات بصفة السمع، وإدراك المبصرات بصفة البصر، وكشف المعلومات بصفة العلم والتمييز لهذه الصِّفات. فهذه اللوازم يمتنع٣ رفعها

  1. (١) «ح»: «نفر».
  2. (٢) «ح»: «كنفي». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «ينتفع». والمثبت من «م».
817

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي