الصواعق المرسلة

وما ينفر١ عنه خصائص الباطل. وهذا شأن الساحر بكلامه يخرج الحقَّ في صورة الباطل فيُنفر عنه، والباطل في صورة الحقِّ فيُرغب فيه.

إذا عُرف هذا فهؤلاء أخذوا قدرًا مشتركًا بين ما أثبته الله لنفسه من الصِّفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك، وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الربِّ سبحانه، ثم ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها، ثم جعلوا حكمها حكم خصائص المخلوقين، فأخطؤوا من أربعة أوجه.

مثاله: أنهم أخذوا قدرًا مشتركًا بين اليد القديمة والحادثة، ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة، ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد، ثم جعلوا خصائص إحداهما هي خصائص الأخرى، واعتبر هذا منهم في كل صفةٍ يريدون نفيها. يوضحه:

الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة: أنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميِّز، وميزت هذا من هذا صحَّ نظرك ومناظرتك، وزال عنك اللبس والتلبيس. وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي، فهذه اللوازم يجب إثباتها، ولا يصح نفيها؛ إذ نفيها ملزومٌ لنفي٢ الصفة.

مثاله: الفعل والإدراك للحياة، فإن كل حيٍّ فعالٌ مدركٌ، وإدراك المسموعات بصفة السمع، وإدراك المبصرات بصفة البصر، وكشف المعلومات بصفة العلم والتمييز لهذه الصِّفات. فهذه اللوازم يمتنع٣ رفعها

  1. (١) «ح»: «نفر».
  2. (٢) «ح»: «كنفي». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «ينتفع». والمثبت من «م».
817

عن الصفة فإنها ذاتية لها، ولا يرتفع إلَّا برفع الصفة، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلُّق، فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثةٍ، متعلقة بكل معلومٍ على التفصيل. وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن، مخلوقة غير صالحة للعموم، مفارقة له، فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم.

واجعل هذا التفصيل ميزانًا لك في جميع الصِّفات والأفعال، واعتصم به في نفي التشبيه والتمثيل، وفي بطلان النفي والتعطيل.

واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث، فهذا اللازم حقٌّ لا يجوز نفيه، ويلزمها كون السافل حاويًا١ للأعلى، محيطًا به حاملًا له والأعلى مفتقر إليه، وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها، بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى الأسفل٢، ولا يحويه الأسفل، ولا يحيط به، ولا يحمله كالسماء مع الأرض. فالربُّ تعالى أجل شأنًا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله للسافل، وفقر السافل إليه، وغناه سبحانه عنه، وإحاطته٣ ﷿ به. فهو فوق العرش مع حمله العرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.

  1. (١) «ح»، «م»: «حادثًا». والمثبت من حاشية «م» وعليه: «ظ».
  2. (٢) «ح»: «السفل». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «وإحاطة». والمثبت من «م».
818

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي