الصواعق المرسلة

عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اَسْتُضْعِفُوا فِي اِلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَىمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اُلْوَارِثِينَ ٤ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اِلْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٤ - ٥] ﴿وَاَللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَّ وَهْوَ يَهْدِي اِلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه: ٤٥] ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٤] ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهذا عند النُّفاة لا حقيقة له، بل الشؤون للمفعولات، وأمَّا هو فله شأنٌ واحدٌ قديمٌ.

فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعاف١ أضعافها ممَّا يشهد بها صريح العقل ويشهد ببطلان ما خالفها. فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصِّفات وتعدد الأسماء هو الذي أفسد العقل والنقل، وفتح باب المعارضة بينهما. وتفصيل أدلة هذه المسألة وبيان بطلان الشُّبه المعارضة لها يستدعي مجلدًا كبيرًا، ولعلنا إن ساعد القدر أن نكتبه. والله المستعان.

الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة: أن من أئمة هؤلاء المعارضين من يقول: إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الربِّ ﷾ عن النقائص، ولم يقم على ذلك دليلٌ عقليٌّ أصلًا. كما صرَّح به الرازي٢ وتلقاه عن الجويني وأمثاله، قالوا: «وإنما نفينا النقائص عنه بالإجماع»٣.

  1. (١) «أضعاف» ليس في «م».
  2. (٢) ينظر «نهاية العقول في دراية الأصول» (٣/ ١٨٨ - ١٨٩، ٢٣١ - ٢٣٢)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦) و«مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٣).
  3. (٣) ينظر «شفاء العليل» (ص ٣٠٢).
825

وقد قدح الرازي وغيره من النُّفاة في دلالة الإجماع، وبيَّنوا أنها ظنية لا قطعية، فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن النقائص، بل غاية ما عندهم في ذلك الظن.

فيا للعقلاء ويا لأولي الألباب! كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات كماله، ونعوت جلاله، وعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلمه بالقرآن حقيقة، وتكليمه لموسى حقيقة بكلامه القائم به، ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانًا من فوقهم في الجنة حتى يُدَّعى أن الأدلة السمعية الدالة على ذلك قد عارضها صريح العقل؛ وأما تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليلٌ عقليٌّ، ولكن علمناه بالإجماع، وقد قلتم دلالته ظنية؟!

فوالله لو قال المُشبِّه المُجسِّم - بزعمكم - ما قال ما رضي لنفسه بهذا، ولكان ربُّ العالمين وقيوم السماوات والأرض أكبر في صدره وأجلَّ في قلبه من ألَّا يكون في عقله دليلٌ يُنزِّهه عن النقائص.

ولعل جاهلًا أن يقول: إنَّا قلنا عليهم ما لم يقولوا، أو استجزنا ما يستجيزونه هم من حكاية مذاهب الناس عنهم بما١ يعتقدونه هم لازمًا٢ لأقوالهم، فيكذبون عليهم كذبًا صريحًا، يقولون٣: مذهب الحنابلة: أن الله يجوز أن يتكلم بشيءٍ ولا يعني به شيئًا، ومذهبهم أن الله لا يجوز أن يُرى، وأمثال ذلك ممَّا هو كذبٌ صريحٌ وفريةٌ، مستندهم [ق ٩٥ أ] فيها ما فهموه من

  1. (١) «ح»: «فما». ولعل المثبت هو الصواب.
  2. (٢) «ح»: «لازم».
  3. (٣) «ح»: «لا يقولون». والمثبت هو الصواب.
826

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي