الصواعق المرسلة

ولا بتشبيه إخوانكم، وإن كان تشبيهكم شرًّا من تشبيههم؛ وإنما يصفون الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، ويثبتون أفعاله حقيقة لا مجازًا، كما يثبتون ذاته وصفاته، ولا يُشبِّهون الله بخلقه، ولا يمثلونه بهم. والله سبحانه أجلُّ في صدورهم، وأعظم في قلوبهم من أن يُشبِّهوه بخلقه، أو ينفوا عنه صفات كماله وأفعاله فيشبهونه بالجامدات العادمة للكمال وقبوله. يوضحه:

الوجه السادس والثلاثون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه عاب آلهة المشركين بنفس ما وصفتم الإله الحقَّ سبحانه به١، فعابها بأنها لا تتكلم ولا تكلم عابديها، وقلتم: إن هذا من خصائص الربوبية.

وعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر، وقلتم: إن إثبات السمع والبصر للربِّ يقتضي التشبيه والتجسيم.

وعابها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تهدي السبيل، فنفى عنها هذه الأفعال، وقلتم: ليس للقديم فعلٌ يقوم به البتة، فإنه لو قامت به الأفعال لكان محلًا للحوادث.

وعابها بأنها لا يد لها تبطش بها، ولا رجل تمشي بها، ولا عين تبصر بها، وقلتم بأن الرب سبحانه كذلك، فإنا لو وصفناه بذلك وصفناه بالجوارح والأبعاض.

وجميع٢ ما عابها به إنما هو نفيٌ وسلبٌ، لم٣ يعبها بصفة ثبوتية

  1. (١) «ح»: «بها».
  2. (٢) «ح»: «وجمع».
  3. (٣) «ح»: «لمن».
829

البتة، وعندكم أعظم التنزيه السلب والنفي الذي هو جماع ما عاب به آلهة المشركين.

الوجه السابع والثلاثون بعد المائة: أن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه، قديم أزلي، لا يجوز عليه العدم، [ق ٩٥ ب] ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه تنازعًا لا يحصيه إلَّا رب العباد، ولم تختلف مقالات أهل الأرض في شيءٍ كاختلافهم في ربِّهم تعالى.

وأحدث الأمم عهدًا هذه الأمة، وهذه مقالاتهم قد فاقت الحصر، وقد حكى منها أهل المقالات ما بلغهم، وأعظم من استوعبها الأشعري في «مقالاته». وقد حَدَثَ بعده مقالات لم يحكها، ولم يودعها كتابه. وكلٌّ يدَّعي أن العقل دلَّه على تلك المقالة وصحتها، وإذا جاء السمع بخلافها لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت الأربع.

ومقالة النُّفاة المعطلة شرُّ مقالات أهل الأرض على الإطلاق، وأشدها مناقضة للمعقول والمنقول، فإنهم يصفونه بصفات المعدوم الصِّرْف، بل بصفات الممتنع الوجود، يعني: بصفات المعدوم. والممتنع ما يُخبر به عنه ويحكم به عليه، وإلا فليس هناك صفة ولا موصوف. فيقولون: ليس هو فوق خلقه، ولا هو مستوٍ على عرشه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا مباينًا له، ولا محايثًا، ولا مجاورًا، ولا فوق ولا تحت، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا ينزل من عنده، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسوله إليه ودنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ولا يقرب منه شيءٌ، ولا يقرب من شيءٍ، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يأتي يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام،

830

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي