الصواعق المرسلة

فتوَّهوا١ العقول الصحيحة والنصوص الصريحة وضيقوها، واستدعوا العقول الفاسدة، والأقوال الكاذبة، فولوها مكانها واستعملوها؛ كما قال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب إمام الأشعري وأصحابه في كتاب «الصفات» - ممَّا نقله عنه أبو بكر بن فورك - فقال في الكتاب المذكور في باب القول في الاستواء وهذا لفظه: «ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا به يُجيز السؤال بـ «أين» ويقوله، ويستصوب قول القائل: «إنه في السماء». ويشهد له بالإيمان عند ذلك٢. وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين - زعموا - ويُحيلون القول به. ولو كان خطأ كان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها٣: لا تقولي ذلك، [فتوهمين]٤ أنه ﷿ محدودٌ في مكانٍ دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان؛ لأنه الصواب دون ما قلتِ. كلا، لقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل والأمر الذي يجب به الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطقٌ به وشاهدٌ له».

قال: «ولو لم يشهد بصحة٥ مذهب الجماعة في هذا الفنِّ خاصة إلَّا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بِنية الفطرة

  1. (١) تيَّه نفسه وتوَّه بمعنى، أي: حيَّرها وطوَّحها. «الصحاح» (٦/ ٢٢٢٩).
  2. (٢) أخرجه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، وقد تقدم (ص ١٢٤).
  3. (٣) أي: للجارية في حديث معاوية بن الحكم السلمي.
  4. (٤) «ح»: «فهو قسمين». وفي «اجتماع الجيوش الإسلامية»: «فتوهمي». والمثبت من «درء التعارض».
  5. (٥) «اجتماع الجيوش» و«درء التعارض»: «لصحة».
835

ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، لأنك١ لا تسأل أحدًا٢ من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول: أين ربك؟ إلَّا قال: «في السماء»، إن أفصح، أو أومأ بيده وأشار بطرفه إن كان لا يُفصح، لا يُشير إلى غير ذلك من أرضٍ ولا سهلٍ ولا جبلٍ. ولا رأينا أحدًا داعيًا إلَّا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يُسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يزعمون٣ أنهم أفضل الخلق كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده [ق ٩٦ ب] وخمسون رجلًا معه؟! نعوذ بالله من الخذلان ومضلات٤ الفتن»٥.

ثم ألزمهم ابن كُلَّاب بمذهب الدهرية الملاحدة، وأن يكونوا وهم بمنزلةٍ واحدةٍ؛ فقال في هذا الكتاب: «يقال للجهمية: أليست الدهرية كفارًا ملحدين في قولهم: إن الدهر هو واحدٌ، إلَّا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم عنه، ولا يباين العالم ولا يباينه، ولا يماس العالم ولا يماسه، ولا يداخل شيئًا من العالم ولا يداخله؛ لأنه واحد والعالم غير مفارق له؟

فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: صدقتم، فلِمَ أثبتم المعبود بمعنى الدهر، وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم؟ هل تجدون بينكم وبينه فرقًا أكثر من أن سمَّيتموه بغير ما سَمَّوْه به، وقد قلتم: إنه غير مفارق للعالم، ولا العالم

  1. (١) «ح»: «لا تبل». والمثبت من «اجتماع الجيوش» و«درء التعارض».
  2. (٢) «ح»: «أحد». والمثبت من «اجتماع الجيوش» و«درء التعارض».
  3. (٣) «اجتماع الجيوش» و«درء التعارض»: «يدعون».
  4. (٤) «ح»: «ومعضلات». والمثبت من «اجتماع الجيوش» و«درء التعارض».
  5. (٥) نقله ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ١٩٣ - ١٩٤) والمصنِّف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٤٣٥ - ٤٣٦).
836

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي