الصواعق المرسلة

مفارق له، ولا هو داخل في العالم، ولا العالم داخل فيه، ولا مماس للعالم، ولا العالم مماس له؟ فأين تذهبون يا أولي الألباب إن كنتم تعقلون؟! مَن أولى أن يكون قد شبَّه الله بخلقه نحن أو أنتم؟ ولِمَ رجعتم على من خالفكم بالتكفير، وزعمتم أنهم قد كفروا لأنهم قالوا: واحدٌ منفردٌ بائنٌ. فلِمَ لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم إذْ١ زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة الضالين، وخرجتم من توحيد ربِّ العالمين»٢.

وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: «وأخرج من العقل والخبر من قال: إنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه. لأنه نفاه نفيًا مستويًا»٣.

وألزم الجهمية في موضع آخر منه مفارقة صريح المعقول، حيث زعموا بأنه سبحانه فعل الأشياء لا بائنة عنه ولا قائمة به حالة فيه، وهذا لا يثبته عقل عاقلٍ٤.

وأخذ هذا من حُجَّة الإمام أحمد وأئمة السُّنَّة على هؤلاء المعطلة الجهمية. قال الإمام أحمد في كتابه الذي خرَّجه في «الرد على الزنادقة والجهمية»٥، وذكره الخلَّال في «الجامع»٦ والقاضي أبو يعلى٧ وسائر

  1. (١) «ح»: «إذا». والمثبت من «درء التعارض».
  2. (٢) نقله ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ١٩٤ - ١٩٥).
  3. (٣) نقله ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ١١٩) و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٤٤).
  4. (٤) نقله ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ١٩٥ - ١٩٦).
  5. (٥) «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص ١٥٥).
  6. (٦) لم يُعثر إلَّا على قطعة منه، وهو من أجلِّ كتب الخلال، حتى قال في «كشف الظنون» (١/ ٥٧٦): «لم يصنَّف في مذهبه مثله».
  7. (٧) «إبطال التأويلات» (ص ٤٤٤).
837

أصحاب أحمد. قال في باب ما أنكرت الجهمية الضُلَّال أن يكون الله على العرش: «وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذبٌ على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان؛ فقل له: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكانٍ وحُشٍّ قذر رديء. فإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ولم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع».

فقد بيَّن الإمام أحمد ما هو معلومٌ بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مباينًا له أو محايثًا له، ومع المحايثة إمَّا أن يكون هو في العالم وإمَّا أن يكون العالم فيه؛ لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثًا لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر، بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات فإنها تكون قائمةً بغيرها، فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده. وكذلك قول من يقول: لا هو مباينٌ ولا محايث لما كان [معلومًا بصريح]١ العقل بطلانه لم يدخله في التقسيم.

والمقصود أن أئمة الكلام وأئمة السُّنَّة متفقون على أن قول الجهمية مخالفٌ لصريح العقل والنقل، وفطرة الله التي فطر عليها عباده، وأنه لا يمكن أحدًا أن يقول بقولهم حتى يتوّه العقل والسمع ويفارق حكمهما.

  1. (١) «ح»: «صريح». والمثبت من «درء التعارض» (٦/ ١٤٤).
838

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي