الصواعق المرسلة

وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ اُلْمَلَائِكَةُ وَاَلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وقال: ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى إِلَى اَلسَّمَاءِ وَهْيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١٠] وقال: ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ اِلرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال: ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٣]. وكل ذلك يدلُّ على أنه في السماء مستوٍ على عرشه».

قال١: «ودليلٌ آخر قوله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٤] وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اُللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ اَلْغَمَامِ وَاَلْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّى ٨ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ٩ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحى ١٠ مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأى ١١ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرى﴾ [النجم: ٨ - ١٢]. وقال تعالى لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾

[آل عمران: ٥٤]. وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ١٥٦ بَل رَّفَعَهُ اُللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٦ - ١٥٧]. وأجمعت الأُمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء».

قال الأشعري٢: «ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله ﷿ في الأمر النازل بهم أن يقولوا جميعًا: يا ساكن العرش٣، لا والذي احتجب بسبع سماوات».

فقد حكى أبو الحسن الأشعري إجماع المسلمين على أن الله فوق العرش، وأن خلقه محجوبون عنه بالسماوات. وهذا مناقضٌ لقول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، فإن هؤلاء يقولون: ليس للعرش به

  1. (١) «الإبانة» (ص ١١٤ - ١١٥).
  2. (٢) «الإبانة» (ص ١١٥).
  3. (٣) في «الإبانة»: «السماء». وذكرت المحققة أنه في نسختين: «العرش».
845

اختصاص، وليس شيءٌ من المخلوقات يحجب عنه شيئًا.

وقال لسان المتكلمين القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب «الإبانة»١ و«التمهيد»٢ وغيرهما: «فإن قال قائل: أتقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه؛ كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ وَاَلْعَمَلُ اُلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿آامِنتُم مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يَخْسِفَ بِكُمُ اُلْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٧]. ولو كان في كل مكانٍ لكان في بطن الإنسان، وفي المواضع التي يُرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا أبطل منها ما كان، ولصحَّ٣ أن يُرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وعن أيماننا وشمائلنا. وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله».

وقد ذكرنا في كتاب «اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية»٤ أضعاف أضعاف هذه النقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة نصًّا صريحًا عنهم، نقل أصحابهم وغيرهم، وأئمة التفسير، وأئمة اللغة، وأئمة النحو، وأئمة الفقه، وسادات الصوفية، وشعراء الجاهلية والإسلام، ممَّا في بعضه كفاية لمن أراد الله هدايته. ومن طبع الله على قلبه، فإن آيات الله تُتلى عليه وكلام رسوله ولا يزيده ذلك إلَّا مرضًا على مرضه.

  1. (١) لم نقف عليه.
  2. (٢) «التمهيد» (ص ٢٦٠).
  3. (٣) «ح»: «ما يصح». والمثبت من «التمهيد».
  4. (٤) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٦٢ - ٥١٠).
846

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي