الصواعق المرسلة

فتجدهم يشكون في أوضح الواضحات، وفيما يجزم عوام الناس به، ويتعجبون ممَّن يشك فيه، ولا تعطيك كتبهم وبحوثهم إلَّا الشك والتشكيك والحيرة والإشكالات، وكلما ازددت فيها إمعانًا ازددت حيرة وشكًّا حتى يؤول بك الأمر إلى الشك في الواضحات.

واعتبر هذا بإمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم١ وكتبه تجده شاكًّا في الزمان والمكان لم يعرف حقيقته وماهيته.

وشاكٌّ٢ في وجود الربِّ تعالى: هل هو عين ماهيته أو زائد عليها؟ وهل الوجود مقول على الواجب والممكن بالتواطؤ أو بالاشتراك اللفظي؟ وهل الوجود الواجب وجود محضٌ لا يُقارن شيئًا من الماهيات، أم وجود مقارن لماهية غير معلومة للبشر؟

وشاكٌّ في الربِّ سبحانه: هل كان معطلًا في الأزل والفعلُ ممتنعٌ عليه، ثم انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا تجدد أمرٍ حصل في الفاعل كما يقوله المتكلمون، أو لم يزل فعله مقارنًا له كما يقوله الفلاسفة، وهو حائرٌ بين هذين القولين، معارضٌ أدلة كلٍّ منهما بأدلة الآخر؟ وتارةً يرجح أدلة المتكلمين في كتبه الكلامية، وتارةً يرجح أدلة الفلاسفة في كتبه الفلسفية، وتارةً يصُفُّ الجيشين ويلقي الحرب بينهما، ولا يتحيز إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما في كتبه الجامعة بين الطريقتين.

  1. (١) يعني: الفخر الرازي.
  2. (٢) «ح»: «شاكل». والمثبت موافق لما سيأتي سبع مرات، والجادة في المواضع الثمانية: «شاكًّا» لأنه معطوف على مفعول به.
852

وشاكٌّ في الجوهر الفرد، فمرةً يثبته، ويوقف الإيمان بالمبدأ والمعاد عليه، وتارةً ينفيه ويبطله.

وشاكٌّ في تماثل الأجسام، فتارةً يثبته، ويحتج عليه، وتارةً ينفيه.

وشاكٌّ في مسألة حلول الحوادث، فتارةً ينفيها، وتارةً يقول بها ويقوي أمرها ويلزمها جميع الطوائف.

وشاكٌّ في النبوات: هل هي ثابتة على طريق الفلاسفة، أو على طريق المعتزلة، أم على طريق الأشعرية؟

وشاكٌّ في مسألة التحسين والتقبيح، فتارةً يسلك فيها مسلك النُّفاة، وتارةً مسلك المثبتين.

وشاكٌّ في إثبات الصِّفات، ففي كتبه الفلسفية١ ينفيها، وفي الكتب الكلامية يثبتها إثباتًا لا حقيقة له، بل هو لفظٌ بلا معنًى.

وشاكٌّ في الإنسان: هل هو هذا البدن المشهود، أم أمر آخر وراءه، وهو الرُّوح، أم مجموع الأمرين؟

وشاكٌّ في الرُّوح وحقيقتها وماهيتها، وهل هي جسم أو جوهر مجرد لا داخل العالم ولا خارجه أو عرض من أعراض البدن؟

وشاكٌّ في مسألة الكلام والرُّؤية، فمرةً يقوي فيها قول المعتزلة، ومرةً قول الأشعرية.

إلى أضعاف ما ذكرنا من المسائل، ولهذا تجد أتباعه أكثر الناس شكًّا وتشكيكًا.

  1. (١) «ح»: «كبه الفلسفة». وقد سبقت على الصواب.
853

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي