الصواعق المرسلة

وشاكٌّ في الجوهر الفرد، فمرةً يثبته، ويوقف الإيمان بالمبدأ والمعاد عليه، وتارةً ينفيه ويبطله.

وشاكٌّ في تماثل الأجسام، فتارةً يثبته، ويحتج عليه، وتارةً ينفيه.

وشاكٌّ في مسألة حلول الحوادث، فتارةً ينفيها، وتارةً يقول بها ويقوي أمرها ويلزمها جميع الطوائف.

وشاكٌّ في النبوات: هل هي ثابتة على طريق الفلاسفة، أو على طريق المعتزلة، أم على طريق الأشعرية؟

وشاكٌّ في مسألة التحسين والتقبيح، فتارةً يسلك فيها مسلك النُّفاة، وتارةً مسلك المثبتين.

وشاكٌّ في إثبات الصِّفات، ففي كتبه الفلسفية١ ينفيها، وفي الكتب الكلامية يثبتها إثباتًا لا حقيقة له، بل هو لفظٌ بلا معنًى.

وشاكٌّ في الإنسان: هل هو هذا البدن المشهود، أم أمر آخر وراءه، وهو الرُّوح، أم مجموع الأمرين؟

وشاكٌّ في الرُّوح وحقيقتها وماهيتها، وهل هي جسم أو جوهر مجرد لا داخل العالم ولا خارجه أو عرض من أعراض البدن؟

وشاكٌّ في مسألة الكلام والرُّؤية، فمرةً يقوي فيها قول المعتزلة، ومرةً قول الأشعرية.

إلى أضعاف ما ذكرنا من المسائل، ولهذا تجد أتباعه أكثر الناس شكًّا وتشكيكًا.

  1. (١) «ح»: «كبه الفلسفة». وقد سبقت على الصواب.
853

والفاضل عندهم الشاك، وكلما كان الرجل أعظم شكًّا كان عندهم أفضل، [ق ٩٩ أ]. فهذا شكهم في الدنيا، وأمَّا عند الموت فقد قال العارف بحقيقة أمرهم١: «أكثر الناس شكًّا عند الموت أرباب الكلام».

وقد أقروا على أنفسهم بالشك وعدم اليقين في كتبهم وعند موتهم، كما تقدم٢ حكاية ذلك عن أفاضلهم ورؤوسهم حتى قال بعضهم٣ عند موته: «والله ما أدري على ماذا أموت عليه، ثم قال: اشهدوا علي أني على عقيدة أمي».

وقال الآخر٤: «اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلَّا مسألة واحدة، وهي أن الممكن مفتقرٌ إلى الواجب». ثم قال: «الافتقار أمر عدمي، بل أموت وما عرفت شيئًا».

وقال الآخر٥: «أضع الإزار٦ على وجهي، ثم أقابل بين أقوال هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولا يتبيَّن لي منها شيءٌ».

ويقول الآخر٧: «لقد تأمَّلت الطُّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن:

  1. (١) هو أبو حامد الغزالي، كما تقدم (ص ١٧).
  2. (٢) ينظر (ص ١٦ - ١٧، ٥٠٨).
  3. (٣) هو أبو المعالي الجويني، كما تقدم (ص ١٧).
  4. (٤) هو الخونجي، كما تقدم (ص ١٧).
  5. (٥) هو ابن واصل الحموي، كما تقدم (ص ٥٠٨).
  6. (٦) كذا في «ح»، وتقدم بلفظ: «الملحفة».
  7. (٧) هو الفخر الرازي، كما تقدم (ص ١٧).
854

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي