الصواعق المرسلة

أقرأ في الإثبات: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩]

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي». وقد حكينا كلامه فيما تقدم١.

وقال الآخر٢:

لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَاوَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍعَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِم

وهذا بابٌ طويلٌ، من أراد الوقوف عليه فليطالع أخبار القوم وسيرتهم، وما أقرُّوا به على أنفسهم. وحينئذٍ فنقول في:

الوجه السادس والأربعين بعد المائة: إن أئمة الإسلام وملوك السُّنَّة لمَّا عرفوا أن طرق المتكلمين إنما تنتهي٣ إلى هذا وما هو شرٌّ منه تنوَّعوا في ذمِّها، والطعن فيها، وعيب أهلها، والحكم بعقوبتهم، وإشهارهم والتحذير منهم.

قال أبو القاسم بن عساكر٤: «وقد حُفظ عن غير واحدٍ من علماء الإسلام عيب المتكلمين، وذمُّ أهل الكلام. ولو لم يذمَّهم غير الشافعي

  1. (١) تقدم (ص ١٧).
  2. (٢) قيل: هو الشهرستاني، وقيل: ابن الصائغ الأندلسي، وقيل: ابن سينا، كما تقدم (ص ١٦).
  3. (٣) «ح»: «ستي». ولعل المثبت هو الصواب.
  4. (٤) «تبيين كذب المفتري فيما نسب للأشعري» (ص ٣٣٣ - ٣٣٧).
855

لكفى، فإنه قد بالغ في ذمِّهم، وأوضح حالهم وشفى».

ثم ذكر بإسناده إلى الفريابي، حدثني بشر بن الوليد، قال: سمعت أبا يوسف يقول: «من طلب الدِّين بالكلام تزندق، ومن طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس». قال البيهقي: وروي هذا الكلام عن مالك بن أنسٍ.

ثم ذكر ابن عساكر عن الشافعي أنه قال: «لَأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خيرٌ له من أن يُبتلى بالكلام. ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ ما ظننت أن مسلمًا يقوله».

وقال ابن أبي حاتم١: حدثنا أحمد بن أصرم المزني، قال: قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: «ما تردَّى٢ أحدٌ بالكلام فأفلح».

وقال٣: حدثنا الربيع، قال: رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة، وقوم في المجلس يتكلمون بشيءٍ من الكلام، فصاح فقال: إمَّا أن تجاورونا بخيرٍ، وإمَّا أن تقوموا عنا.

وذكر أيضًا٤ عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: «لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد».

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت يونس بن عبد الأعلى

  1. (١) «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٤٢ - ١٤٣).
  2. (٢) تردى وارتَدَى بمعنًى، أي: لبس الرداء. «الصحاح» (٦/ ٢٣٥٥).
  3. (٣) «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٤١).
  4. (٤) يعني: ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» (ص ٣٣٦).
856

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي