الصواعق المرسلة

لكفى، فإنه قد بالغ في ذمِّهم، وأوضح حالهم وشفى».

ثم ذكر بإسناده إلى الفريابي، حدثني بشر بن الوليد، قال: سمعت أبا يوسف يقول: «من طلب الدِّين بالكلام تزندق، ومن طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس». قال البيهقي: وروي هذا الكلام عن مالك بن أنسٍ.

ثم ذكر ابن عساكر عن الشافعي أنه قال: «لَأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خيرٌ له من أن يُبتلى بالكلام. ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ ما ظننت أن مسلمًا يقوله».

وقال ابن أبي حاتم١: حدثنا أحمد بن أصرم المزني، قال: قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: «ما تردَّى٢ أحدٌ بالكلام فأفلح».

وقال٣: حدثنا الربيع، قال: رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة، وقوم في المجلس يتكلمون بشيءٍ من الكلام، فصاح فقال: إمَّا أن تجاورونا بخيرٍ، وإمَّا أن تقوموا عنا.

وذكر أيضًا٤ عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: «لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد».

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت يونس بن عبد الأعلى

  1. (١) «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٤٢ - ١٤٣).
  2. (٢) تردى وارتَدَى بمعنًى، أي: لبس الرداء. «الصحاح» (٦/ ٢٣٥٥).
  3. (٣) «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٤١).
  4. (٤) يعني: ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» (ص ٣٣٦).
856

يقول: «جئت الشافعي بعدما كلم حفصًا الفرد، فقال: غبت عنَّا يا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ ما توهمته قط، ولأن يُبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك١ بالله خيرٌ له من أن يبتلى بالكلام».

وقال الإمام أحمد: «علماء الكلام زنادقة»٢.

قال شيخنا٣: «والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمِّه، وذمِّ أصحابه، والنهي عنه، وتجهيل أربابه، وتبديعهم وتضليلهم = هو هذه الطُّرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصِّفات والعلو والاستواء على العرش، وجعلوا بها القرآن مخلوقًا، ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن وتكليمه لعباده، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده؛ فإنهم سلكوا فيه طُرقًا غير مستقيمة، واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسُّنَّة وصريح المعقول. وكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثيرٍ من مسائلهم ورسائلهم، أحكامهم٤ ودلائلهم.

وكلام السلف والأئمة في ذلك مشهور. وما من أحد قد شدا طرفًا من العلم إلَّا وقد بلغه من ذلك بعضه، لكن كثيرًا من الناس لم يحيطوا علمًا بكثيرٍ من أقوال السلف والأئمة. وقد أفرد الناس في ذلك مصنَّفاتٍ، مثل

  1. (١) «ح»: «بالشرك». والمثبت من «تبيين كذب المفتري».
  2. (٢) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» (١/ ٩٥) وابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (ص ٧٥) وذكره ابن تيمية في «درء التعارض» (٧/ ١٥٧) وغيره.
  3. (٣) «درء التعارض» (٧/ ١٤٤ - ١٦٧) مطولًا.
  4. (٤) في «درء التعارض»: «وأحكامهم». وذكر المحقق أنه في نسخة بغير واو كما هنا.
857

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي