قال: «وقال مالك: أرأيت إن جاء رجلٌ أجدل من رجلٍ يدع الرجل دينه كل يومٍ لدينٍ جديدٍ».
قال: «وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع. قال بعض أصحابه: أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا».
وهذا الذي [حكى]١ عنه أبو حامد تأويلَ [قول]٢ مالك هو محمد بن خويز منداد البصري المالكي، قال: «إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين تُرَدُّ شهادتهم هم أهل الكلام». قال: «وكل متكلمٍ هو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه، أشعريًّا كان أو غير أشعري». هكذا ذكره عنه أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»٣.
ثم ذكر أبو حامد كلام أبي يوسف: «من طلب العلم بالكلام تزندق».
قال: «وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر عنهم ما نقل من التشديدات فيه، وقالوا: ما سكت عنه الصحابة ﵃ - مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم - إلَّا لعلمهم٤ بما يتولد عنه. ولذلك قال النبي ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»٥. أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء».
(١) «ح»: «حكاه». والمثبت هو الصواب.
(٢) «قول» سقط من «ح».
(٣) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٤٢).
(٤) «ح»: «بعلمهم». والمثبت من «إحياء علوم الدين» و«درء التعارض».
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٧٠) عن عبد الله بن مسعود.
قال: «واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدِّين لكان أهم ما يأمر به النبي ﷺ، ويُعلِّم طريقه، ويُثني على أربابه. فقد علَّمهم الاستنجاء، وندبهم إلى حفظ الفرائض، ونهاهم عن الكلام في القدر. وعلى هذا استمر الصحابة، فالزيادة على الأستاذ طغيانٌ وظلمٌ، وهم الأستاذون والقدوة، ونحن الأتباع والتلامذة ...». إلى أن قال: «وأمَّا منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات! فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف. وهذا إذا سمعته من محدثٍ أو حشويٍّ ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممَّن خبر الكلام، ثم قلاه١ بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود».
قال: «ولعمري لا ينفك الكلام عن كشفٍ وتعريفٍ وإيضاحٍ لبعض الأمور، ولكن على سبيل النُّدور٢ في أمور جليلة تكاد تنال٣ قبل التعمق في صناعة الكلام».
قال٤: «بل منفعته شيءٌ واحدٌ وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العاميَّ يستفزه٥ جدل المبتدع وإن