الصواعق المرسلة

وهذا الذمُّ من أبي حامد للكلام وأهله ذمٌّ متوسطٌ بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته، وبحسب ما بلغه من السلف. ولم يكن جزمه بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما سلكه من طريق الكلام والفلسفة. فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره، فإن ما ذكره من أن مضرته في إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يُقال إذا كان الكلام في نفسه حقًّا، بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة، بل معلومة١، فإذا كان مع ذلك قد يُورث النظر فيه شبهًا وعداوة قيل فيه ذلك.

وأمَّا السلف فلم يكن ذمُّهم للكلام لمجرد٢ ذلك، ولا٣ لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، ولا حرَّموا٤ معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله بل كانوا أعلم الناس بذلك، ولا حرَّموا نظرًا صحيحًا في دليلٍ صحيحٍ يُفضي إلى علمٍ نافعٍ، ولا مناظرة في ذلك إمَّا لهدى مسترشدٍ، وإمَّا لقطع مبطلٍ؛ بل هم أكمل الناس نظرًا واستدلالًا واعتبارًا، وهم نظروا في أصحِّ الأدلة وأقومها، فإن القوم كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه، وأدله على الحقِّ، وأوصله إلى المقصود بأقرب الطُّرق، وهو كلام الله.

وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية والنفسية، فيرون منها من الأدلة

  1. (١) «ح»: «معلوماته». والمثبت من «درء التعارض».
  2. (٢) «ح»: «لا المجرد». والمثبت من «درء التعارض».
  3. (٣) «ح»: «لا». بغير واو، والمثبت من «درء التعارض».
  4. (٤) «ح»: «صرحوا». والمثبت من «درء التعارض».
862

ما يُبيِّن أن القرآن حقٌّ، فيتطابق عندهم السمع والعقل، ويتصادق الوحي والفطرة، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي اِلْأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اُلْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٢] وقال: ﴿وَيَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦].

والإنسان له حالتان: إمَّا أن يكون ناظرًا، وإمَّا أن يكون مناظرًا. والناظر له حالتان: إحداهما يُحمد فيها، والثانية يُذم فيها. والمناظر له حالتان أيضًا. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] فأشار بقيامهم اثنين اثنين إلى المناظرة، وفُرادى إلى النظر والتفكر. وكل منهما ينقسم إلى محمودٍ ومذمومٍ.

فالنظر المحمود: النظر١ في الطريق الصحيح ليتوصل به إلى معرفة الحقِّ.

والنظر المذموم نوعان:

أحدهما: النظر في الطريق الباطل، وإن قُصد به التوصل إلى الحقِّ؛ فإن الطريق الباطل لا يُفضي إلى الحقِّ.

والثاني: النظر والفكر الذي يُقصد به ردُّ قول خصمه مطلقًا، حقًّا كان أو باطلًا، فهو ينظر نظرًا يردُّ به قول من يبغضه ويُعاديه بأي وجهٍ كان.

وأمَّا المناظرة فتقسم إلى محمودةٍ ومذمومةٍ، والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان. وبيان ذلك أن المناظر إمَّا أن يكون عالمًا بالحقِّ، وإمَّا أن يكون طالبًا له، وإمَّا ألَّا يكون عالمًا به ولا طالبًا له. وهذا الثالث هو

  1. (١) «ح»: «بالنظر».
863

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي