للطوائف، فإنه كفيل بذلك على أتمِّ الوجوه لمن تأمَّله وتدبَّره ورُزق فهمًا فيه، وحُججه مع أنها في أعلى مراتب الحُجج - وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات - فهي أقرب شيءٍ تناولًا وأوضح دلالةً، وأقوى برهانًا، وأبعد من كل شبهةٍ وتشكيك.
وأمَّا طريق المتكلمين وأرباب الجدل فهي كما قال الخبير بها١:
وإذا كان هذا حالها وهي خيرٌ من طريق الفلاسفة وأقرب إلى الحقِّ، فكيف يُعارض الوحي بهذه الطرق وهذه، ثم تقدم عليه؟!
الوجه السابع٣ والأربعون بعد المائة: أن الله سبحانه منح عباده فطرة فطرهم عليها، لا تقبل سوى الحقِّ، ولا تُؤْثر عليه غيره لو تُركت٤، وأيَّدها
(١) البيت لابن الرومي في «ديوانه» (ص ٣٠٣)، وروايته: لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضلّ عن الهدى وتجور وُهُنٌ كآنية الزّجاج تصادمت ... فهوت، وكلّ كاسر مكسور
(٢) البيت لابن سنان الخفاجي، وهو في «ديوانه» (ص ١٥٩).
(٣) «ح»: «التاسع». وكتب الناسخ على حاشية «ح»: «كذا وجدتها». والمثبت هو الصواب.
(٤) «ح»: «تريث».
بعقولٍ١ تُفرق بين الحق والباطل، وكمَّلها بشرعةٍ تُفصِّل لها٢ ما هو مستقرٌّ في الفطرة وأدركه العقل مجملًا.
فالفطرة قابلة، والعقل مزكٍّ، والشرع مُبصِّر مُفصِّل لما هو مركوز في الفطرة، مشهود أصله دون تفاصيله٣ بالعقل. فاتفقت فطرة الله المستقيمة والعقل الصريح والوحي المبصِّر المكمِّل على الإقرار بموجودٍ فَطَر هذا العالم بجميع ما فيه عاليه وسافله وما بينهما، وشهدت الفِطَر والعقول والشرائع المنزلة كلها بأنه ليس من جنس العالم، ولا مماثلًا له، وأنه مباين له، غير ممتزج به، ولا متَّحدٍ به، ولا حالٍّ فيه، وأنه فوق جميع العالم عالٍ عليه، بجميع أنواع العلو ذاتًا وقهرًا وعظمة، وأنه موصوفٌ بجميع الكمال المقدَّس من لوازم ذاته، فتوهم رفعه عنه كتوهم عدم ذاته.
ومن لم يكن هذا الأصل معلومًا عنده علمًا لا يَشك فيه ولا يَرتاب بل هو لقلبه كالمشاهدات لبصره، وإلا٤ اضطرب عليه باب معرفة الله ووحدانيته وتصديق رسله.
فلا يجوز أن يُقدح في مقدِّمات هذا الأصل التي هي في أعلى مراتب الضروريات بمقدِّمات يدَّعي أربابها أنها نظريات، ومن خالفهم فيها يقول: إنها غير صحيحةٍ بل معلومة الفساد، إمَّا بضرورة العقل، أو بالنظر الصحيح المُفضي إلى الضرورة.