الصواعق المرسلة

بعقولٍ١ تُفرق بين الحق والباطل، وكمَّلها بشرعةٍ تُفصِّل لها٢ ما هو مستقرٌّ في الفطرة وأدركه العقل مجملًا.

فالفطرة قابلة، والعقل مزكٍّ، والشرع مُبصِّر مُفصِّل لما هو مركوز في الفطرة، مشهود أصله دون تفاصيله٣ بالعقل. فاتفقت فطرة الله المستقيمة والعقل الصريح والوحي المبصِّر المكمِّل على الإقرار بموجودٍ فَطَر هذا العالم بجميع ما فيه عاليه وسافله وما بينهما، وشهدت الفِطَر والعقول والشرائع المنزلة كلها بأنه ليس من جنس العالم، ولا مماثلًا له، وأنه مباين له، غير ممتزج به، ولا متَّحدٍ به، ولا حالٍّ فيه، وأنه فوق جميع العالم عالٍ عليه، بجميع أنواع العلو ذاتًا وقهرًا وعظمة، وأنه موصوفٌ بجميع الكمال المقدَّس من لوازم ذاته، فتوهم رفعه عنه كتوهم عدم ذاته.

ومن لم يكن هذا الأصل معلومًا عنده علمًا لا يَشك فيه ولا يَرتاب بل هو لقلبه كالمشاهدات لبصره، وإلا٤ اضطرب عليه باب معرفة الله ووحدانيته وتصديق رسله.

فلا يجوز أن يُقدح في مقدِّمات هذا الأصل التي هي في أعلى مراتب الضروريات بمقدِّمات يدَّعي أربابها أنها نظريات، ومن خالفهم فيها يقول: إنها غير صحيحةٍ بل معلومة الفساد، إمَّا بضرورة العقل، أو بالنظر الصحيح المُفضي إلى الضرورة.

  1. (١) «ح»: «بمعقول».
  2. (٢) «تفصل لها» في «ح»: «يصل لها بها».
  3. (٣) «ح»: «تفاصله».
  4. (٤) تقدم (ص ٧٢٨) التعليق على هذا التركيب.
866

ومن أبين [ما]١ شهدت به الفطر والعقول والشرائع: علوُّه سبحانه فوق جميع العالم، فإن الله فطر على هذا الخليقة حتى الحيوان البهيم. ومن أنكر هذا فهو في جانب، والفطر السليمة والعقول المستقيمة وجميع الكتب السماوية ومن أُرسل بها في جانب.

قال الشيخ عبد القادر الكيلاني المتفق على كراماته وآياته وولايته، المقبول عند جميع الفرق: «إن كون الله سبحانه فوق سماواته على عرشه في كل كتابٍ أنزل على كل نبيٍ أُرسل»٢.

وصدق قُدس روحه؛ فإن الرُّسل من أولهم إلى آخرهم ليس بينهم اختلافٌ في أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، وإن تنوَّعت شرائعهم العملية بحسب المصلحة، فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات، وإن كان في الكتابين - اللذين لم يُنزل من السماء كتاب أهدى منهما - من ذلك ما ليس في غيرهما، حتى زعمت أئمة المعطلة أنهما كتابا تشبيه، ومن جاء بهما إماما المشبهة.

وقال بعض من تتبع النصوص النبوية في ذلك والآثار السلفية إنه وجدها تزيد على ألف٣، وقال غيره: إنها تزيد على مائة ألف. ولا تنافي بينهما؛ فإن

  1. (١) «ح»: «كما». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) «الغنية لطالبي طريق الحق» (١/ ٨٧). ونقله عنه: ابن تيمية في «الفتوى الحموية» (ص ٤٧٩) والذهبي في «العرش» (٢/ ٣٦٩) وفي «العلو» (ص ٢٦٥) والمصنِّف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٩٣، ٤٢٥).
  3. (٣) قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٢١): «قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده».
867

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي