الصواعق المرسلة

ومن أبين [ما]١ شهدت به الفطر والعقول والشرائع: علوُّه سبحانه فوق جميع العالم، فإن الله فطر على هذا الخليقة حتى الحيوان البهيم. ومن أنكر هذا فهو في جانب، والفطر السليمة والعقول المستقيمة وجميع الكتب السماوية ومن أُرسل بها في جانب.

قال الشيخ عبد القادر الكيلاني المتفق على كراماته وآياته وولايته، المقبول عند جميع الفرق: «إن كون الله سبحانه فوق سماواته على عرشه في كل كتابٍ أنزل على كل نبيٍ أُرسل»٢.

وصدق قُدس روحه؛ فإن الرُّسل من أولهم إلى آخرهم ليس بينهم اختلافٌ في أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، وإن تنوَّعت شرائعهم العملية بحسب المصلحة، فلم يختلف منهم اثنان في باب الأسماء والصفات، وإن كان في الكتابين - اللذين لم يُنزل من السماء كتاب أهدى منهما - من ذلك ما ليس في غيرهما، حتى زعمت أئمة المعطلة أنهما كتابا تشبيه، ومن جاء بهما إماما المشبهة.

وقال بعض من تتبع النصوص النبوية في ذلك والآثار السلفية إنه وجدها تزيد على ألف٣، وقال غيره: إنها تزيد على مائة ألف. ولا تنافي بينهما؛ فإن

  1. (١) «ح»: «كما». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) «الغنية لطالبي طريق الحق» (١/ ٨٧). ونقله عنه: ابن تيمية في «الفتوى الحموية» (ص ٤٧٩) والذهبي في «العرش» (٢/ ٣٦٩) وفي «العلو» (ص ٢٦٥) والمصنِّف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٩٣، ٤٢٥).
  3. (٣) قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٢١): «قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده».
867

الأول أراد ما يدل على نصوص العلو والاستواء، والثاني أراد ما يدل على المباينة، وأن الله سبحانه بائنٌ من خلقه.

وأمَّا تقرير ذلك بالأدلة العقلية الصريحة فمن طرقٍ كثيرةٍ جدًّا١:

منها٢: أنه إذا ثبت بضرورة العقل أنه سبحانه مباينٌ للمخلوقات، وثبت أن العالم كُري - كما اعترف به النُّفاة المعطلة، وجعلوه عمدتهم في جحد علوه سبحانه - لزم أن يكون الربُّ تعالى في العلو ضرورةً؛ وذلك لأن العالم إذا كان مستديرًا فله جهتان حقيقيتان: العلو والسفل فقط، فإذا كان الربُّ تعالى مباينًا للعالم امتنع أن يكون في السفل، فوجب قطعًا أن يكون في العلو، فإذا كان العالم كُريًّا وقد ثبت بالضرورة أنه إمَّا مُداخل له وإمَّا مُباين له، وليس بمُداخل قطعًا؛ ثبت أنه مباينٌ قطعًا. وإذا كان مباينًا فإمَّا أن يكون تحته أو فوقه قطعًا، وليس تحته بالضرورة، وجب أن يكون فوقه بالضرورة.

ولا جواب عن هذا البتة إلَّا بنفي النقيضين، وهو أنه لا مباين ولا مداخل، وهذا حقيقة العدم المحض، ونفيهما [نظير نفي القدم]٣ والحدوث عنه، وأن يُقال ليس بقديمٍ ولا حادثٍ، فإن القدم والحدوث من مقولة «متى» وهي ممتنعة عليه، كما أن المباينة والمداخلة من مقولة «أين» وهي ممتنعة عليه. فالشُّبه والأدلة التي تنفي وجود الصانع من جنس الشُّبه التي تنفي مباينته للعالم وعلوه عليه، لا فرق بينهما البتة.

  1. (١) ذكر المصنِّف ثلاثين طريقًا، ثم قال: «فهذه ثلاثون طريقًا مضافة إلى الوجه السابع والأربعين بعد المائة في بيان عدم معارضة العقل للنقل وبيان موافقتهما وتطابقهما».
  2. (٢) هذا هو الوجه الثامن والأربعون بعد المائة.
  3. (٣) «ح»: «بطريقي العدم». والمثبت ما يقتضيه السياق.
868

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي