وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي - الشيخ المشهور - في كتابه «الحجة»١ له: «إن قال قائل: قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسُنة رسوله، وما أجمع عليه [ق ١٠١ ب] الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، فاذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم.
فالجواب: أن الذي أدركت عليه أهل العلم، ومن لقيتهم وأخذت عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم ...» فذكر جُلَّ اعتقاد أهل السُّنَّة، وفيه: «أن الله مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾[الطلاق: ١٢]﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾[الجن: ٢٨]».
وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور - صاحب التصانيف المشهورة كـ «حلية الأولياء» وغيرها - في «عقيدته»٢ المشهورة عنه: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمة، فما اعتقدوه اعتقدناه. فممَّا اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ ولا تشبيهٍ، وأن الله بائنٌ من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سماواته من دون أرضه».
(١) لم يطبع بعد، ولم أقف على النص في المختصر المطبوع، ونقل هذا القول عن المقدسي: ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ٢٥١) و«منهاج السنة» (١/ ٢١١، ٣/ ٤٠٧).
وقال الشيخ أبو أحمد الكرجي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة، في «العقيدة» التي ذكر أنها اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وهي العقيدة التي كتبها الخليفة١ القادر بالله، وقرأها على الناس، وجمع الناس عليها، وأقرَّ بها طوائف أهل السُّنَّة، وكان قد استتاب من خرج عن السُّنَّة من المعتزلة والرافضة ونحوهم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وكان حينئذٍ قد تحرَّك ولاة الأمور لإظهار السُّنَّة؛ لمَّا كان الحاكم المصري وأمثاله من أئمة٢ الملاحدة قد انتشر أمرهم، فكان أهل ابن سينا وأمثالهم من أهل دعوتهم، وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السُّنَّة، وتناظر عنده ابن الهيصم٣ وابن فورك في مسألة العلو، فرأى قوة كلام ابن الهيصم فرجَّح ذلك، ويقال: إنه قال لابن فورك: فلو أردت أن تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا. وقال: فرِّق٤ لي بين هذا الربِّ الذي تصفه وبين المعدوم. وإن ابن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني يطلب الجواب عن ذلك، فلم يكن الجواب إلَّا أنه: لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسمًا. ومن الناس من يقول: إن السلطان لمَّا ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السُّمَّ حتى قتله. وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب
(١) كذا في «ح» و«درء التعارض»، وغيرَّها محقق «الدرء» إلى «للخليفة». ولعل الخليفة كتبها بيده ثم قرأها على الناس.
(٢) «ح»: «لية». والمثبت من «درء التعارض».
(٣) «ح»: «الهيضم» بالضاد المعجمة، وكذا في الموضع التالي، وهو تصحيف، والمثبت من «درء التعارض». ومحمد بن الهيصم ترجمته في «تاريخ الإسلام» (٩/ ١٧١ - ١٧٢).