في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلَّا أنهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة. وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا على الحقيقة، ويزعم أن من أقرَّ بها مشبِّه. وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود يلاشون١ - أي: يقولون: لا شيء - والحقُّ فيها ما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسُنة رسول الله، وهم أئمة الجماعة».
وقال الشيخ العارف معمر٢ بن أحمد الأصفهاني أحد شيوخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السُّنَّة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل [ق ١٠٢ أ] المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين». قال فيها: «وأن الله مستوٍ على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقولٌ، والكيف مجهولٌ٣، وأنه ﷿ مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله سميعٌ بصيرٌ عليمٌ
(١) ليست هذه الكلمة في «التمهيد»، وهي في «درء التعارض» (٦/ ٢٥٦): «بلاشون» بالباء.
(٢) «ح»: «بكر». وهو تحريف، والمثبت من «الحجة في بيان المحجة» و«درء التعارض» و«اجتماع الجيوش الإسلامية» وغيرها. وهو أبو منصور معمر بن أحمد بن محمد بن زياد الأصفهاني الزاهد، كبير الصوفية بأصفهان، سمع أبا القاسم الطبراني، وأبا الشيخ، وطبقتهما، وتوفي سنة ٤١٨ هـ. ترجمته في «تاريخ الإسلام» (٩/ ٣٠٢).
(٣) بعده في «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٣٢): «والإيمان به واجب، والإنكار له كفر».
خبيرٌ، يتكلم ويرضى، ويسخط ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر. ونزول الرب إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدعٌ ضالٌّ»١.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السُّنَّة - يعني في أصول الدِّين - وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالوا: [أدركنا العلماء في جميع الأمصار]٢ حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا وكان من مذاهبهم: أن الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوقٍ بجميع جهاته ...» إلى أن قالوا: «إن الله على عرشه بائنٌ من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا»٣.
وقال الشيخ الإمام المتفق على إمامته وعلمه وصلاحه وكراماته أبو محمد موفق الدِّين بن قدامة المقدسي: «إن الله وصف نفسه بالعلو في
(١) روى الوصية بطولها قوام السُّنَّة في «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٣١ - ٢٤٤). والقدر المذكور في الأصل نقله: ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧) وفي «الاستقامة» (١/ ١٦٨ - ١٦٩) والذهبي في «العلو» (٥٦٢) والمصنِّف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٤٢٣ - ٤٢٤).
(٢) سقط من «ح»، وأثبته من «درء التعارض».
(٣) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٣٢١) والذهبي في «العرش» (٢٢٨) وفي «العلو» (٥٠٢، ٥٠٣) بإسنادهما. ونقله: ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ٢٥٧) والمصنف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٣٥٠ - ٣٥٢).