الصواعق المرسلة

السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع١ العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلَّا مبتدع غالٍ في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته»٢.

قال: «وأنا ذاكر في هذا الجزء٣ ما بلغني في ذلك عن رسول الله ﷺ وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ذلك عنهم، ويُعلَم تواتر الرواية بوجوده منهم، ليزداد من وقف عليه من المؤمنين إيمانًا، ويثبته من خفي عليه ذلك حتى يصير كالمشاهد له عيانًا»٤.

وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي في «شرح الأسماء الحسنى» لما ذكر اختلاف الناس في تفسير الاستواء قال: «وأظهر الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقاله الفضلاء الأخيار، أن الله على عرشه كما أخبر في

  1. (١) «ح»: «جمع». والمثبت من «إثبات صفة العلو».
  2. (٢) «إثبات صفة العلو» (ص ٦٣). ونقله ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٢١٥ - ٢١٦) و«درء التعارض» (٧/ ٢٥٨) والمصنف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٨٦ - ٢٨٧).
  3. (٣) «ح»: «الخبر». والمثبت من «إثبات صفة العلو».
  4. (٤) «إثبات صفة العلو» (ص ٦٣). ونقله ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٢١٦) و«درء التعارض» (٧/ ٢٥٨).
878

كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيفٍ، بائن من خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات»١.

وقال أيضًا في كتابه في «التفسير»٢ لمَّا تكلم على آية الاستواء قال: «هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلامٌ، وقد بيَّنا أقوال العلماء في «شرح الأسماء الحسنى» وذكرنا فيها أربعة عشر قولًا».

وذكر قول النُّفاة المعطلين فقال: «وإنهم يقولون: إذا وجب تنزيه الربِّ عن الحيز٣ فمن ضرورة ذلك ولواحقه تنزيه الربِّ عن الجهة. فليس بجهة

  1. (١) «الأسنى» (٢/ ١٣٢). ونقله ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٧١ - ١٧٢، ٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨) وفي «درء التعارض» (٧/ ٢٥٨) والمصنف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٤٣١).
    تنبيه: وقع في مطبوعة «الأسنى» زيادة، وهي: «وأظهر هذه الأقوال وإن كنتُ لا أقول به ولا أختاره ...» ونقلها هكذا مرعي الكرمي في «أقاويل الثقات» (ص ١٣٢) وعنه السفاريني في «لوامع الأنوار» (١/ ٢٠٦) وعلَّق عليها الكرمي بقوله: «العجب من القرطبي حيث يقول: «وإن كنت لا أقول به ولا أختاره». ولعله خشي من تحريف الحسدة فدفع وهمهم بذلك». فإما أن يكون هذا ممَّا عبثت به يد التحريف، وإما أن يصح ما ذكره الكرمي. ويقرِّبُ الأول: عدم نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذه العبارة، وأن القرطبي نفسه ذكر مقتضى هذا التحقيق في «تفسيره» كما سيأتي، ولم يتنصَّل منه، وأحال في «التفسير» إلى «الشرح الأسنى» ولم يذكر مضمون هذه العبارة، وإحسان الظن به يحمل على ألا يظن به مخالفة ما تظاهرت عليه الآيات، وقد أُثِرَ عن أهل الأهواء التطاول بالتحريف والدس، والله أعلم بحقيقة الحال.
  2. (٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٧/ ٢١٩). ونقله: ابن تيمية في «درء التعارض» (٦/ ٢٥٩) و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٧٢، ٣/ ٣٨٩) والذهبي في «العلو» (٥٩٥).
  3. (٣) في «الجامع لأحكام القرآن»: «الجهة والتحيز».
879

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي