الصواعق المرسلة

ولا يُغني الجهمي في هذا المقام اعتذاره بأنه غير قابل للدخول والخروج والمباينة والمحايثة، لثلاثة أوجهٍ:

أحدها: أن يقال له: وهكذا قال أخوك معطل الذات سواء: إنه غير قابل للقدم والحدوث، فما كان جوابك له فهو جواب أهل الإثبات لك.

الثاني: أن هذا التقسيم يتناول كل موجودٍ، ولا يخرج عنه إلَّا العدم المحض، فإنه تقسيمٌ حاصرٌ. ولا واسطة بين نفيه وإثباته البتة، بل هذا حُكْم كل موجودين بالضرورة، فإنه إمَّا أن يكون أحدهما مباينًا للآخر أو غير مباين له، كما يقال إمَّا أن يكون أحدهما قائمًا بالآخر، أو غير قائمٍ به، وإنكار١ هذا مكابرة صريحة للعقل، وكذلك إما أن يكون متقدمًا عليه أو مقارنًا له، فقولكم: إن هذا فيما هو قابل. كلام باطل يتضمن رفع النقيضين والخلو منهما.

الثالث: أن يقال: لا يتصور العقل شيئًا غير قابل لذلك إلَّا العدم المحض والنفي الصِّرْف، ودعواكم على العقل أنه يثبت قسمًا آخر غير قابل للنقيضين كذبٌ على العقل وفريةٌ.

فصل

يوضحه: الطريق السادس٢: أن يقال: كل موجودين فإمَّا أن يكون أحدهما قائمًا بنفسه، أو قائمًا بالآخر؛ فإن كان قائمًا بالآخر امتنع قيام الآخر به ضرورةً، وإن كان قائمًا بنفسه فحقيقته خارجة عن حقيقة الآخر ضرورةً،

  1. (١) «ح»: «وأن كان». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) «ح»: «السابع». وهذا هو الوجه الثالث والخمسون بعد المائة.
895

وإلا لزم اتحادهما، وإذا كانت حقيقته خارجةً عن حقيقة الآخر كان مباينًا له بالضرورة، وهذا برهانٌ ضروريٌّ لا يقدح فيه إلَّا ما يقدح في سائر الضروريات.

فصل

الطريق السابع١: أن يقال: الربُّ سبحانه إمَّا أن يكون موجودًا خارج الأذهان، موجودًا في الأعيان أو لا يكون له وجود خارجي.

فإن قلتم: ليس له وجودٌ خارجيٌّ. وهو حقيقة قولكم، كان خيالًا ذهنيًّا لا حقيقة له.

وإن قلتم: بل هو موجودٌ خارج الذهن في الأعيان منفصلًا عن الأذهان مباينًا لها، فقد أقررتم بأنه قابل للخروج والانفصال والمباينة. فهلَّا جعلتم جملة العالم كالذهني، وقلتم بأنه خارجٌ عنه منفصلٌ مباينٌ له! وكيف صحَّ بل وجب أن يكون خارج الأذهان مباينًا لها منفصلًا عنها، ولم يلزم من ذلك محالٌ، وامتنع أن يكون خارج العالم مباينًا له ولزم من ذلك المحال؟ فمن هاهنا قيل: إنكم فارقتم حكم العقل والسمع، وكان أتباع الرُّسل أسعد بالمعقول والمنقول منكم.

فصل

الطريق الثامن٢: إذا ثبت له سبحانه وجود٣ خارج الأذهان فإمَّا أن

  1. (١) «ح»: «الثامن». وهذا هو الوجه الرابع والخمسون بعد المائة.
  2. (٢) «ح»: «التاسع». وهذا هو الوجه الخامس والخمسون بعد المائة.
  3. (٣) «ح»: «موجود».
896

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي