الصواعق المرسلة

وإلا لزم اتحادهما، وإذا كانت حقيقته خارجةً عن حقيقة الآخر كان مباينًا له بالضرورة، وهذا برهانٌ ضروريٌّ لا يقدح فيه إلَّا ما يقدح في سائر الضروريات.

فصل

الطريق السابع١: أن يقال: الربُّ سبحانه إمَّا أن يكون موجودًا خارج الأذهان، موجودًا في الأعيان أو لا يكون له وجود خارجي.

فإن قلتم: ليس له وجودٌ خارجيٌّ. وهو حقيقة قولكم، كان خيالًا ذهنيًّا لا حقيقة له.

وإن قلتم: بل هو موجودٌ خارج الذهن في الأعيان منفصلًا عن الأذهان مباينًا لها، فقد أقررتم بأنه قابل للخروج والانفصال والمباينة. فهلَّا جعلتم جملة العالم كالذهني، وقلتم بأنه خارجٌ عنه منفصلٌ مباينٌ له! وكيف صحَّ بل وجب أن يكون خارج الأذهان مباينًا لها منفصلًا عنها، ولم يلزم من ذلك محالٌ، وامتنع أن يكون خارج العالم مباينًا له ولزم من ذلك المحال؟ فمن هاهنا قيل: إنكم فارقتم حكم العقل والسمع، وكان أتباع الرُّسل أسعد بالمعقول والمنقول منكم.

فصل

الطريق الثامن٢: إذا ثبت له سبحانه وجود٣ خارج الأذهان فإمَّا أن

  1. (١) «ح»: «الثامن». وهذا هو الوجه الرابع والخمسون بعد المائة.
  2. (٢) «ح»: «التاسع». وهذا هو الوجه الخامس والخمسون بعد المائة.
  3. (٣) «ح»: «موجود».
896

يكون هو العالم المشهود، أو صفة من صفاته، وعرضًا من أعراضه، أو غيره.

فإن قلتم بالأول، فهو حقيقة قول الاتحادية الملاحدة، الذين لا يثبتون خالقًا ومخلوقًا وصانعًا ومصنوعًا، بل حقيقة الربِّ عندهم هي هذا الوجود بعينه.

وإن قلتم: هو عرض من أعراض العالم وصفة من صفاته، فهو من أمحل المحال، لا يقوله أحدٌ من بني آدم.

فتعيَّن أن يكون غير هذا العالم. وحينئذٍ يلزم مباينته له ضرورةً؛ إذ الغيران اللذان لا يكون أحدهما صفة للآخر ولا أحدهما قائمًا بالآخر لا بد أن يتباينا، إذ لو لم يتباينا لزم اتحاد أحدهما بالآخر أو حلوله فيه حلول الصفة في الموصوف، أو حلول الحال في المحل، ولا ينفعكم قولكم: إن هذا إنما يلزم فيما هو قابلٌ لذلك، لما تقدم بيانه١.

فصل

الطريق التاسع٢: أنَّا إذا عرضنا على العقل الصريح - الذي لم يفسد بتلقي الآراء والمذاهب الباطلة - التصديق بموجودين قائمين بأنفسهما، وأحدهما مباين للآخر، مع كونه غير مماثل له ولا هو من جنسه.؛ وعرضنا عليه التصديق بموجودين قائمين بأنفسهما، ليس أحدهما مباينًا للآخر، ولا مداخلًا له ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا محايثًا له ولا مباينًا = علمنا بالضرورة تصديقه بالأول، ودفعه الثاني

  1. (١) تقدم في الطريق الخامس (ص ٨٩٣ - ٨٩٥).
  2. (٢) «ح»: «العاشر». وهذا هو الوجه السادس والخمسون بعد المائة.
897

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي