وإنكاره. وكل شُبهةٍ تقدح في هذا فهي قادحةٌ في الضروريات، وكل شُبهةٍ تُقام على الثاني فهي من الشُّبه التي تُقام على إمكان الممتنعات.
فصل
الطريق العاشر١: أنه عند المعطلة النُّفاة كون الله سبحانه فوق العالم مستويًا على عرشه بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام، بل هو بمنزلة إثبات الزوجة والولد له، في كون هذا منافيًا لإلهيته وربوبيته وقِدَمه، وكون علوه على خلقه واستوائه على عرشه [ق ١٠٤ ب] منافيًا لذلك. وهذا من أعظم القدح في العقول والفِطَر والشرائع والنُّبوات والكتب المنزلة؛ فإنها فرَّقت بين الأمرين تفرقةً معلومةً بالاضطرار لكل من له أدنى مُسكةٍ من عقلٍ. فمن سوَّى بين الأمرين، وجعل تنزيه الربِّ عنهما من لوازم الإقرار به، فليبكِ على عقله وإيمانه.
فصل
الطريق الحادي عشر٢: أن يقال للمعطلة: تنزيهكم له سبحانه عن كونه مباينًا لخلقه تنزيهٌ له عن غناه ووجوده، وتنزيهكم له عن استوائه على عرشه تنزيهٌ له عن كماله. والمثبت لو شبهه بخلقه - بافترائكم وكذبكم عليه تعالى الله عن ذلك - لكان قد أثبت موجودًا قائمًا بنفسه مباينًا لخلقه، له الكمال المطلق مع نوع تشبيهٍ٣. وهذا خيرٌ من تنزيهكم، وأقرب إلى العقول
(١) «ح»: «الحادي عشر». وهذا هو الوجه السابع والخمسون بعد المائة.
(٢) «ح»: «الثاني عشر». وهذا هو الوجه الثامن والخمسون بعد المائة.
(٣) «ح»: «شبيه».
والفطر؛ فكيف وهو مع ذلك يثبت أنه لا يماثل خلقه ولا يشابههم، وأنه لا يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه أن يكون من جنسهم مماثلًا لهم؟
يوضحه:
فصل
الطريق الثاني عشر١: أن الله سبحانه جعل بعض مخلوقاته عاليًا على بعضٍ، ولم يلزم من ذلك مماثلة العالي للسافل ومشابهته له، فهذا الماء فوق الأرض، والهواء فوق الماء، والنار فوق الهواء، والأفلاك فوق ذلك؛ وليس عاليها مماثلًا لسافلها. والتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوقات، فكيف يلزم من علوه تشبيهه بخلقه؟
فإن قلتم: وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم. قيل: انفصلوا أولًا عن قول معطلة الصِّفات لكم: لو كان له سمعٌ أو بصرٌ أو حياةٌ أو علمٌ أو قدرةٌ أو كلامٌ لزم التجسيم. فإذا انفصلتم عنهم، وتخلصتم من أَسْرهم لكم، عاد عليكم أهل السُّنَّة بالرأفة والرحمة، وجبروكم وخلَّصوكم من هذا الوثاق٢ الذي شدَّكم به الملاحدة المعطلة.
فإن أبيتم إلَّا الجواب قيل لكم: ما تعنون بالتجسيم؟
أتعنون به العلو على العالم والاستواء على العرش؟ وهذا حاصل قولكم، وحينئذٍ فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها
(١) «ح»: «الثالث عشر». وهذا هو الوجه التاسع والخمسون بعد المائة.