الصواعق المرسلة

اللازم والملزوم بتغيير العبارة، وكأنكم قلتم: لو كان فوق العالم مستويًا على عرشه لكان فوق العالم. ولكنكم لبَّسْتم وأوهمتم.

وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر الفردة، فجمهور العقلاء ينازعونكم في إثبات الجوهر الفرد، فضلًا عن تركب الأجسام الحادثة منه، فالملازمة باطلة كاذبة.

وإن عنيتم به المركب من الهيولى والصورة، فأنتم قد قررتم بطلان تركب الأجسام من ذلك، فأنتم أبطلتم هذا التركيب الذي يدَّعيه الفلاسفة، وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر الفردة، وجمهور العقلاء أبطلوا هذا وهذا. فإذا كان هذا غير لازمٍ في الأجسام المحسوسة المشاهدة بل هو باطلٌ، فكيف يُدَّعى لزومه فيمن ليس كمثله شيءٌ؟

وإن عنيتم بالتجسيم تميز شيءٍ منه عن شيءٍ، قيل لكم: انفصلوا أولًا عن قول نفاة الصِّفات: لو كان له سمعٌ وبصرٌ وحياةٌ وقدرةٌ، لزم أن١ يتميز منه شيءٌ عن شيءٍ، وذلك عين التجسيم.

فإذا انفصلتم منهم أجبناكم بما تجيبونهم به. فإن أبيتم إلَّا الجواب منَّا قلنا: إنما قام الدليل على إثبات إلهٍ قديمٍ غنيٍّ بنفسه عن كل ما سواه، وكلُّ ما سواه فقير إليه، كلُّ أحدٍ محتاج إليه، وليس محتاجًا إلى أحدٍ، ووجود كل شيءٍ مستفاد منه، ووجوده ليس مستفادًا من غيره. ولم يقم الدليل على استحالة تكثر أوصاف كماله، وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله؛ بل هو إلهٌ واحدٌ، وربٌّ واحدٌ، وإن تكثرت صفاته، وتعددت أسماؤه؛ فلا إله غيره، ولا ربَّ سواه.

  1. (١) سقط من «ح»، وأثبته من «م».
900

فصل

الطريق الثالث عشر: أن يقال: أخبرُ الناس بمقالات الفلاسفة١ قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت على ذلك الشرائع، وقرَّر٢ ذلك بطريقٍ عقليٍّ من جنس تقرير ابن كُلَّاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم ممَّن يقول: إن الله فوق العرش وليس بجسمٍ. قال هؤلاء: وإثبات صفة العلو والفوقية له سبحانه لا يوجب الجسمية، بل ولا إثبات المكان.

وبنى الفلاسفة ذلك على ما ذكره ابن رشد: أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المَحْوي. فمكان٣ الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به، وكل سطحٍ باطنٍ فهو مكان للسطح الظاهر فيما يلاقيه، ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسمٍ باطنٍ يحوي شيئًا، فلا مكان هناك؛ إذ لو كان هناك مكانٌ حاوٍ لسطح الجسم لكان الحاوي جسمًا. ولهذا قال: فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسمٍ، لا وجود [ق ١٠٥ أ] ما ليس بجسمٍ. وقرَّر إمكان ذلك كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس، فيجب أن يكون في جهة العلو.

  1. (١) يعني: أبا الوليد بن رشد، وقوله في «الكشف عن مناهج الأدلة» (ص ١٧٦ - ١٧٨).
  2. (٢) «ح»، «م»: «وورد». والمثبت من «درء التعارض» (٦/ ٢٤٢).
  3. (٣) «ح»: «فكان». والمثبت من «م»، «مناهج الأدلة».
901

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي