والذي يمكن منازعوه١ من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة أن يقولوا: لا يمكن أن يوجد هناك شيءٌ لا جسم ولا غير جسمٍ، أمَّا الجسم فلما ذكر، وأمَّا غير الجسم فلأن كونه مُشارًا إليه بأنه هناك يستلزم أن يكون جسمًا.
وحينئذٍ فيقول هؤلاء المثبتون لمن نازعهم في ذلك: وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه ليس وراء أجسام العالم ولا داخلًا في العالم إمَّا أن يكون ممكنًا أو لا يكون. فإن لم يكن ممكنًا بطل قولكم، وإن كان ممكنًا فوجود موجود وراء أجسام العالم وليس بجسمٍ أولى بالجواز.
ويوضحه:
فصل
الطريق الرابع عشر٢: وهو أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه لا في العالم ولا خارجًا عنه ولا يُشار إليه، وعرضنا عليه وجود موجودٍ يُشار إليه فوق العالم ليس بجسمٍ، كان إنكارُ العقل للأول أعظم، وامتناعُه فيه أظهر من إنكاره للثاني وامتناعه فيه. فإن كان حكم العقل في الأول مقبولًا وجب قبول الثاني، وإن كان الثاني مردودًا وجب ردُّ الأول؛ ولا يمكن العقل الصريح أن يقبل الأول ويردَّ الثاني أبدًا.
فصل
الطريق الخامس عشر٣: أنه سبحانه لو لم يقبل الإشارة الحسية إليه
(١) كذا في «ح»، «م»، والصواب: «منازعيه».
(٢) «ح»: «الخامس عشر». وهذا هو الوجه الحادي والستون بعد المائة.
(٣) «ح»: «السادس عشر». وهذا هو الوجه الثاني والستون بعد المائة.
كما أشار إليه النبي ﷺ حسًّا بإصبعه بمشهد الجَمْع الأعظم١، وقبل ممَّن شهد لها بالإيمان الإشارة الحسية إليه٢، فإمَّا أن يقال: إنه يقبل الإشارة المعنوية فقط، أو لا٣ يقبلها أيضًا كما لا يقبل الحسية، فإن لم يقبل هذه ولا هذه فهو عدمٌ محضٌ، بل العدم المقيد المضاف يقبل الإشارة المعنوية.
وإن قيل: يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية، لزم أن يكون معنًى من المعاني، لا ذاتًا خارجية؛ وهذا ممَّا لا حيلة في دفعه. فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد أمرين: إمَّا أن يجعله معدومًا، أو معنًى من المعاني، لا ذاتًا قائمة بنفسها.
فصل
الطريق السادس عشر٤: أن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فرُّوا
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر ﵁ في خطبة حجة الوداع.
(٢) أخرج ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٩٩١) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١/ ١٩٤) عن أبي هريرة «أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء غتماء إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، إن أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة. فقال: يا رسول الله، هل يجزئ أن أعتق هذه؟ فقال رسول الله للخادم: أين ربك؟ فرفعت رأسها، فقالت: في السماء. فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فقال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة». وقال الذهبي في «العرش» (٢/ ٢٦): «هذا حديث حسن، رواه القاضي أبو أحمد العسال في كتاب «المعرفة» له». وقد روي حديث الجارية من وجوهٍ كثيرةٍ، ينظر: «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٨٤ - ٢٨٩).
(٣) «ح»: «ولا». والمثبت من «م».
(٤) «ح»: «السابع عشر». وهذا هو الوجه الثالث والستون بعد المائة.