الصواعق المرسلة

كما أشار إليه النبي ﷺ حسًّا بإصبعه بمشهد الجَمْع الأعظم١، وقبل ممَّن شهد لها بالإيمان الإشارة الحسية إليه٢، فإمَّا أن يقال: إنه يقبل الإشارة المعنوية فقط، أو لا٣ يقبلها أيضًا كما لا يقبل الحسية، فإن لم يقبل هذه ولا هذه فهو عدمٌ محضٌ، بل العدم المقيد المضاف يقبل الإشارة المعنوية.

وإن قيل: يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية، لزم أن يكون معنًى من المعاني، لا ذاتًا خارجية؛ وهذا ممَّا لا حيلة في دفعه. فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد أمرين: إمَّا أن يجعله معدومًا، أو معنًى من المعاني، لا ذاتًا قائمة بنفسها.

فصل

الطريق السادس عشر٤: أن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فرُّوا

  1. (١) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر ﵁ في خطبة حجة الوداع.
  2. (٢) أخرج ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٩٩١) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١/ ١٩٤) عن أبي هريرة «أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء غتماء إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، إن أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة. فقال: يا رسول الله، هل يجزئ أن أعتق هذه؟ فقال رسول الله للخادم: أين ربك؟ فرفعت رأسها، فقالت: في السماء. فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فقال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة». وقال الذهبي في «العرش» (٢/ ٢٦): «هذا حديث حسن، رواه القاضي أبو أحمد العسال في كتاب «المعرفة» له». وقد روي حديث الجارية من وجوهٍ كثيرةٍ، ينظر: «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٨٤ - ٢٨٩).
  3. (٣) «ح»: «ولا». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «السابع عشر». وهذا هو الوجه الثالث والستون بعد المائة.
903

من القول بعلو الله فوق المخلوقات واستوائه على عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنهم لا يمكنهم إثبات الصانع إلَّا بنوعٍ من التشبيه والتمثيل. ونحن لا نحيلك على عدمٍ، بل نحكي ألفاظهم بعينها معزوةً إلى مكانها. قال الآمدي في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين بالعدم:

«الوجه العاشر: لو كان العالم محدثًا فمحدثه١ إمَّا أن يكون مساويًا له من كل وجهٍ، أو مخالفًا له من كل وجهٍ، أو مماثلًا له من وجهٍ ومخالفًا له من وجه.

فإن كان الأول فهو حادثٌ، والكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل الممتنع.

وإن كان الثاني فالمحدث له ليس بموجودٍ، وإلَّا لما كان مخالفًا له من كل وجهٍ، وهو خلاف الفرض. وإذا لم يكن موجودًا امتنع أن يكون مفيدًا للوجود٢.

وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثًا، والكلام فيه كالأول، وهو تسلسلٌ محالٌ.

وهذه المحالات إنما نشأت من القول بكونه مُحْدِثًا للعالم»٣.

قال: «والجواب عن هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما هو القسم الأخير. ولا يلزم من كون القديم مماثلًا للحوادث من وجهٍ أن يكون مماثلًا

  1. (١) في «أبكار الأفكار»: «فحدوثه». والمثبت موافق لما ورد في «م» و«درء التعارض» (٤/ ١٦٧).
  2. (٢) في «أبكار الأفكار» و«درء التعارض»: «موجبا للموجود».
  3. (٣) «أبكار الأفكار» (٣/ ٣٤٦).
904

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي