الصواعق المرسلة

للحادث من جهة كونه حادثًا، بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القِدَم والحدوث، وإنما تماثلَا بأمرٍ آخر. وهذا كالسواد والبياض يختلفان من وجهٍ دون وجهٍ؛ لاستحالة اختلافهما من كل وجهٍ وإلَّا لما اشتركا في العرضية واللونية١ والحدوث؛ واستحالة تماثلهما من كل وجهٍ، وإلَّا كان السواد بياضًا، ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجهٍ أن يكون مماثلًا له في صفة البياضية»٢.

فيقال: يا لله العجب، هلَّا طردتم هذا الجواب، وسلكتم هذا الطريق في إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وإثبات صفات كماله كلها، وإثبات الصِّفات الخبرية كلها؛ وأجبتم بهذا الجواب لمن قال لكم من المعطلة النُّفاة: لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات! وهلَّا تقنعون من أهل السُّنَّة - المثبتين لصفات كماله، ونعوت جلاله، وعلوه على مخلوقاته، واستوائه على عرشه - بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به من أنكر حدوث العالم! بل إذا أجابوكم به قلبتم لهم ظَهْر المِجَنِّ، وصرَّحتم بتكفيرهم وتبديعهم، وإذا أجبتم أنتم به بعينه كنتم موحِّدين، ناصرين لله ورسوله!

فصل

الطريق السابع عشر٣: أن يقال: هل للربِّ تعالى ماهية متميزة على سائر الماهيات يختص بها لذاته، أم تقولون: لا ماهية له؟

  1. (١) «ح»: «والكونية» والمثبت من «أبكار الأفكار».
  2. (٢) «أبكار الأفكار» (٣/ ٣٦١).
  3. (٣) «ح»: «الثامن عشر». وهذا هو الوجه الرابع والستون بعد المائة.
905

فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارًا له سبحانه وجحودًا، وجعله وجودًا مطلقًا لا ماهية له.

وإن قلتم: بل له ذاتٌ مخصوصةٌ وماهيةٌ متميزةٌ عن سائر الماهيات.

قيل لكم: ماهيته وذاته [ق ١٠٥ ب] سبحانه غير متناهية، بل ذاهبة في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية؟

فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة. وإن قلتم بالثاني بطل قولكم، ولزم إثبات المباينة والجهة؛ وهذا لا محيد عنه.

وإن قلتم: لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية.

قيل: لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلَّا هذا المحال والباطل.

وإن قلتم: بل له ذاتٌ مخصوصةٌ، وماهيةٌ متميزةٌ عن سائر الماهيات ولا نقول: إنها متناهية ولا غير متناهية؛ لأنها لا تقبل واحدًا من الأمرين.

قلنا: التناهي وعدم التناهي يتقابلان تقابل السلب والإيجاب، فلا واسطة بينهما، كما لا واسطة بين الوجود والعدم، والقدم والحدوث، والسبق والمقارنة، والقيام بالنفس والقيام بالغير. وتقدير قسمٍ آخر لا يقبل واحدًا من الأمرين تقديرٌ ذهنيٌّ يفرضه الذهن، كما يفرض سائر المحالات، ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه.

ألا ترى أن قائلًا لو قال: التقسيم يقتضي أن١ المعلوم إمَّا قديم٢،

  1. (١) «أن» سقط من «ح»، وأثبته من «م».
  2. (٢) «ح»: «قدم». والمثبت من «م».
906

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي