الصواعق المرسلة

فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارًا له سبحانه وجحودًا، وجعله وجودًا مطلقًا لا ماهية له.

وإن قلتم: بل له ذاتٌ مخصوصةٌ وماهيةٌ متميزةٌ عن سائر الماهيات.

قيل لكم: ماهيته وذاته [ق ١٠٥ ب] سبحانه غير متناهية، بل ذاهبة في الأبعاد إلى غير نهاية أم متناهية؟

فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة. وإن قلتم بالثاني بطل قولكم، ولزم إثبات المباينة والجهة؛ وهذا لا محيد عنه.

وإن قلتم: لا نقول له ماهية ولا ليست له ماهية.

قيل: لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلَّا هذا المحال والباطل.

وإن قلتم: بل له ذاتٌ مخصوصةٌ، وماهيةٌ متميزةٌ عن سائر الماهيات ولا نقول: إنها متناهية ولا غير متناهية؛ لأنها لا تقبل واحدًا من الأمرين.

قلنا: التناهي وعدم التناهي يتقابلان تقابل السلب والإيجاب، فلا واسطة بينهما، كما لا واسطة بين الوجود والعدم، والقدم والحدوث، والسبق والمقارنة، والقيام بالنفس والقيام بالغير. وتقدير قسمٍ آخر لا يقبل واحدًا من الأمرين تقديرٌ ذهنيٌّ يفرضه الذهن، كما يفرض سائر المحالات، ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه.

ألا ترى أن قائلًا لو قال: التقسيم يقتضي أن١ المعلوم إمَّا قديم٢،

  1. (١) «أن» سقط من «ح»، وأثبته من «م».
  2. (٢) «ح»: «قدم». والمثبت من «م».
906

وإمَّا حادث، وإمَّا قديم حادث، وإمَّا لا قديم ولا حادث، وكذلك إمَّا أن يكون متناهيًا، أو غير متناهٍ، أو [لا]١ متناهيًا ولا غير متناهٍ، أو قائمًا بنفسه أو بغيره، أو بنفسه وبغيره، أو لا بنفسه ولا بغيره، أو داخلًا في العالم، أو خارجًا عنه، أو داخلًا خارجًا، أو لا داخلًا ولا خارجًا = كان ذلك كله بمنزلةٍ واحدةٍ، وكان التقسيم تقسيمًا ذهنيًّا لا خارجيًّا، وإن سلب النقيضين في ذلك كله في الإحالة كإثبات النقيضين.

فصل

الطريق الثامن عشر٢: أن يقال: ذاته سبحانه إمَّا أن تكون قابلةً للعلو على العالم، أو لا تكون قابلةً.

فإن كانت قابلةً وجب وجود المقبول؛ لأنه صفة كمالٍ وإلَّا لم تقبله؛ ولأن قبولها لذلك هو من لوازمها، كقبول٣ الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر، فوجود هذه لازم للذات ضرورةً؛ ولأنها إذا قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت٤ بضدِّه، وهو نقصٌ يتعالى ويتقدس عنه.

وإن لم تكن قابلةً للعلو لزم أن يكون قابلُ العلو أكمل منها؛ لأن ما٥ يقبل أن يكون عاليًا - وإن لم يكن عاليًا - أكمل ممَّن لا يقبل العلو، وما قبله

  1. (١) «لا»: سقط من «ح»، والصواب إثباته.
  2. (٢) «ح»: «التاسع عشر». وهذا هو الوجه الخامس والستون بعد المائة.
  3. (٣) «ح»: «لقبول». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «لا تتصف». والمثبت من «م».
  5. (٥) بعده في «ح»: «لا». وهي زيادة تفسد المعنى ليست في «م».
907

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي