الصواعق المرسلة

وكان عاليًا أكمل ممَّن قبله ولم يكن عاليًا. فالمراتب ثلاثةٌ١، أدناها ما لا يقبل العلو، وأعلاها ما قبله واتصف به.

والذي يوضح ذلك أن ما لا يقبل أن يكون فوق غيره إمَّا٢ أن يكون عرضًا من الأعراض لا يقوم بنفسه، ولا يقبل أن يكون عاليًا على غيره، وإمَّا أن يكون أمرًا عدميًّا لا يقبل ذلك، وأمَّا إثبات ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة والعلم والفعل ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها؛ فهذا يطالب بإمكان تصوره قبل التصديق بوجوده، وليس مع من ادَّعى إمكانه إلَّا الكليات٣ والمجردات، وكلاهما وجوده ذهني، لا وجود له في الخارج. وإلا فما له٤ وجود خارجي وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات٥، موصوفٌ بصفات الحي الفعال، لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور خارجية. وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في الأذهان لا في الأعيان.

  1. (١) كذا في «ح»، «م».
  2. (٢) «ح»: «وإما». والمثبت من «م».
  3. (٣) الكلي: هو اللفظ الذي لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه، كالإنسان والحيوان. «الكليات» للكفوي (ص ٧٤٥).
  4. (٤) «ح»: «خاله». والمثبت من «م».
  5. (٥) «ح»: «الدواب». والمثبت من «م».
908

فصل

الطريق التاسع عشر١: أن الجهمية المعطلة معترفون٢ بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو٣ القدر، وأن ذلك كمالٌ لا نقصٌ، فإنه من لوازم ذاته؛ فيقال: ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه، وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من العلو. فأحد الأمرين لازمٌ لكم ولا بد: إمَّا أن تثبتوا له سبحانه العلو المطلق من كل جهةٍ ذاتًا وقهرًا وقدرًا، وإمَّا أن تنفوا ذلك كله.

فإنكم إذا نفيتم علو ذاته سبحانه بناءً على لزوم التجسيم، وهو لازم لكم فيما أثبتموه من وجهَيِ٤ العلو؛ فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرًا من غيرها إن لم يُعقل كونها غير جسمٍ لزمكم التجسيم، وإن عُقل كونها غير جسمٍ فكيف لا يُعقل أن تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسمٍ، وكيف لزم التجسيم من هذا العلو ولم يلزم من ذلك العلو؟!

فإن قلتم: لأن هذا العلو يستلزم تميز شيءٍ عن شيءٍ منه.

قيل لكم: في الذِّهن٥ أو في الخارج؟

  1. (١) «ح»: «العشرون». وهذا هو الوجه السادس والستون بعد المائة.
  2. (٢) «ح»: «مقرنون». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «على». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «وجهين». والمثبت من «م».
  5. (٥) «ح»، «م»: «العالِم». واستظهر ناسخ «م» فكتب على الحاشية: «الذهن». وعليها: ظ. والسياق يدل عليه.
909

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي