فإن قلتم: في الخارج، كذبتم وافتريتم، وأضحكتم عليكم المجانين، فضلًا عن العقلاء.
وإن قلتم: في الذِّهن. فهذا لازمٌ لكل من أثبت [ق ١٠٦ أ] للعالم ربًّا خالقًا، ولا خلاص من ذلك إلَّا بإنكار وجوده رأسًا. يوضحه:
فصل
الطريق العشرون١: أن الفلاسفة لمَّا أوردوا عليكم هذه الحُجَّة بعينها في نفي الصِّفات أجبتم عنها بأن قلتم - واللفظ للرازي في «نهايته»٢ فقال:
«قوله: يلزم من إثبات الصِّفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة. قلنا: إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم، لاحتمال استناد تلك الصِّفات إلى الذات الواجبة لذاتها. وإن عنيتم به توقف الصِّفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك ممَّا يلزمه فأين المحال!».
قال٣: «وأيضًا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصِّفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات تلك».
«وممَّا يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله عالم بالكليات. وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في العالم. وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى. حتى ابن سينا قال:
(١) «ح»: «الحادي والعشرون». وهذا هو الوجه السابع والستون بعد المائة.
(٢) «نهاية العقول في دراية الأصول» (٢/ ٢٤٠).
(٣) «نهاية العقول» (٢/ ٢٤٠).
إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات كانت من لوازم الذات. ومن كان هذا مذهبًا له كيف يمكنه أن يُنكر الصِّفات»١.
قال٢: «وبالجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة، إلَّا أن الصفاتية يقولون: إن الصِّفات قائمة بالذات. والفلاسفة يقولون: هذه الصور العقلية عوارض متقومة بالذات. والذي تُسمِّيه الصفاتية صفةً يُسمِّيه الفلسفي عارضًا، والذي يُسميه الصفاتي قيامًا يُسميه الفيلسوف قوامًا ومقومًا؛ فلا فرق إلَّا بالعبارات، وإلَّا فلا فرق في المعنى». هذا لفظه.
فيقول له مثبتو العلو: هلَّا قنعت منَّا بهذا الجواب بعينه حين قلت: يلزم من علوه أن يتميز منه شيءٌ عن شيءٍ، ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية. وتكون قد وافقت السمع٣ ونصوص الأنبياء، وكُتب الله كلها، وأدلة العقول، والفِطَر الصحيحة، وإجماع أهل السُّنَّة قاطبةً!
فصل
الطريق الحادي والعشرون٤: أن هذه الحجة العقلية القطعية - وهي الاحتجاج بكون الربِّ قائمًا٥ بنفسه على كونه مباينًا للعالم، وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليًا عليه بالذات - لما كانت حجة صحيحة لا يمكن مدافعتها وكانت ممَّا ناظر بها الكرَّامية لأبي إسحاق الإسفراييني، فرَّ٦ أبو إسحاق
(١) «نهاية العقول» (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٢) «نهاية العقول» (٢/ ٢٣٩).
(٣) «ح»: «الشرح». والمثبت من «م».
(٤) «ح»: «الثاني والعشرون». وهذا هو الوجه الثامن والستون بعد المائة.