تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينه لماهيته وذاته المخصوصة. وأنتم إنما جعلتم تعينه بأمرٍ عدميٍّ محضٍ ونفيٍ صرفٍ، وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجًا عنه. وهذا التعيُّن لا يقتضي وجوده، فإنه يصح على العدم المحض، وأيضًا فالعدم المحض لا يُعيِّن المتعين؛ فإنه لا شيء، وإنمَّا يُعيِّنه١ ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيُّنُ تلك الذات بعينها، ومن تعيُّنِها مباينتُها للمخلوقات، ومن المباينة العلوُّ عليها، لما تقدم تقريره. وصحَّ مقتضى العقل والنقل والفطرة، ولزم من صحة هذه الدعوى صحة الدعوى الثانية، وهي أن من أنكر٢ مباينته للعالم وعلوه عليه لزمه إنكار ربوبيته وكونه إلهًا للعالم.
فصل
الطريق الرابع والعشرون٣: أنه قد دلَّ البرهان الضروري والعقل الصريح على استغنائه سبحانه بنفسه، وأنه الغني بذاته عن كل ما سواه. فغناه من لوازم ذاته، ولا يكون غنيًّا على الإطلاق إلَّا إذا كان قائمًا بنفسه؛ إذ القيام بالغير يستلزم فقر القائم إلى ما قام به، وعدم القيام بالنفس وبالغير يستلزم العدم، فصحَّ ضرورةً وجوب قيامه بنفسه، وهذا حقيقة المباينة. ونفي المباينة والمداخلة كنفي القيام بالنفس وبالغير، ولا تتصور العقول قط قائمًا بنفسه مع قائم بنفسه إلَّا إذا كان مباينًا له أو محايثًا. والفرق بين هذا الوجه وبين الاستدلال بقيامه بنفسه أن ذاك استدلال بالقيام بالنفس، وهذا استدلال
(١) «ح»: «وأما تعيينه». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «افتكر». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «الخامس والعشرون». وهذا هو الوجه الحادي والسبعون بعد المائة.
بغناه المستلزم للأمرين.
فصل
الطريق الخامس والعشرون١: أنه قد ثبت بالعقل إمكان رؤيته سبحانه، وبالشرع وقوعها في الدار الآخرة، فاتفق العقل والشرع على إمكان الرؤية ووقوعها. وقد ذكرنا في كتاب «صفة الجنة»٢ أربعين دليلًا على مسألة الرُّؤية من الكتاب والسُّنَّة. والعقل الصريح شاهدٌ بذلك، فإن الرُّؤية أمرٌ وجوديٌّ لا يتعلق إلَّا بموجود، وما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يُرى. فالباري سبحانه أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه.
يوضحه: أن تعذر الرؤية إمَّا لخفاء المرئي، وإمَّا لآفةٍ وضعفٍ في الرائي. والربُّ سبحانه أظهر من كل موجودٍ، وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه. فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة، فقويت على رؤيته تعالى. وإذا جاز٣ أن يُرى سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلًا للرائي، مواجهًا له، مباينًا عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك. وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ضرورةً أن يكون مرئيًّا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه. وقد دلَّ النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه
(١) «ح»: «السادس والعشرون». وهذا هو الوجه الثاني والسبعون بعد المائة.