الطريق الخامس والعشرون١: أنه قد ثبت بالعقل إمكان رؤيته سبحانه، وبالشرع وقوعها في الدار الآخرة، فاتفق العقل والشرع على إمكان الرؤية ووقوعها. وقد ذكرنا في كتاب «صفة الجنة»٢ أربعين دليلًا على مسألة الرُّؤية من الكتاب والسُّنَّة. والعقل الصريح شاهدٌ بذلك، فإن الرُّؤية أمرٌ وجوديٌّ لا يتعلق إلَّا بموجود، وما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يُرى. فالباري سبحانه أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه.
يوضحه: أن تعذر الرؤية إمَّا لخفاء المرئي، وإمَّا لآفةٍ وضعفٍ في الرائي. والربُّ سبحانه أظهر من كل موجودٍ، وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة الباصرة عن النظر إليه. فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة الباصرة في غاية القوة لأنها دائمة، فقويت على رؤيته تعالى. وإذا جاز٣ أن يُرى سبحانه فالرؤية المعقولة عند جميع بني آدم عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم أن يكون المرئي مقابلًا للرائي، مواجهًا له، مباينًا عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك. وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينته للمرئي لزم ضرورةً أن يكون مرئيًّا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه. وقد دلَّ النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه
(١) «ح»: «السادس والعشرون». وهذا هو الوجه الثاني والسبعون بعد المائة.
فلا يجتمع الإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة لهذا. ولهذا الجهمية المُغْل٣ تُنكر علوَّه على خلقه، ورُؤية المؤمنين له في الآخرة، ومخانيثُهم [ق ١٠٧ أ] يُقرُّون بالرُّؤية وينكرون العلوَّ.
وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرُّؤية تحصل من غير مواجهةٍ للمرئي ومباينةٍ له، وقالوا: هذا ردٌّ لما هو مركوز في أوائل العقول.
قال المنكرون: الإنسان يرى صورته في المرآة، وليس صورته في جهة منه.
(١) «ح»: «بينات». والمثبت من «م».
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٤) وابن أبي الدنيا في «صفة الجنة» (٩٤) والآجري في «الشريعة» (٦١٥) والدارقطني في «الرؤية» (٥١) من طرق عن أبي عاصم العباداني عن الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ به، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٦٧): «هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي». وينظر «الضعفاء الكبير» للعقيلي (٢/ ٣٦٧) و«الكامل» لابن عدي (٧/ ١١٩ - ١٢٠) و«الموضوعات» لابن الجوزي (٣/ ٢٦٠ - ٢٦٢).
(٣) استخدم المصنِّف -رحمه الله تعالى- هذا المصطلح «الجهمية المغل» هنا وفيما سيأتي (ص ٩٧٠) في مقابلة «مخانيثهم» أو «الجهمية المخانيث». فهو يقصد بهم المغالين، أي: الجهمية المحضة، وقد ذهب محققو «النونية» (٢/ ٢٥٠) إلى أن المغل هم المغول أي التتار. وهو غير بيِّنٍ في المعنى، والله أعلم.