فمباينة الذات أولى. وهذا لا محيص عنه، ويلزم من ثبوت هذه المباينة ثبوتها بين النوع الآخر وبين المخلوق بطريق الأولى.
فصل
يوضحه: الطريق الثامن والعشرون١: أنهم إذا اعترفوا بقيام الصِّفات بالذات وأنها زائدة على الذات المجردة، ولم يكن ذلك تجسيمًا ولا تركيبًا يستلزم الحدوث، بطلت كل شُبهةٍ لهم تمنع٢ العلو والاستواء على العرش، فإن مدارها على أن ذلك يستلزم التركيب والتجسيم، وهو يستلزم الافتقار والحدوث. وقد صرَّحوا هم بالتزام هذا القدر ولم ينكروه لأجل تسمية المعطلة له تركيبًا وتجسيمًا، وقالوا لخصومهم من نفاة الصِّفات: التركيب خمسة أنواع:
أحدها: تركيب الموجود من الوجود والماهية.
والثاني: تركيب الحقيقة من الوجود والوجوب.
والثالث: تركيب الذات الموصوفة من الذات والصفات.
قالوا: وهذه الأقسام الثلاثة لا تنافي وجوب الوجود، ولا يُتحاشى من إلقائها. والدليل لا يدل على بطلانها؛ لأن الدليل إنما دلَّ على انتهاء الممكنات إلى واجبٍ بذاته لا علة له، ولم يدل على أنه لا ماهية له ولا صفة له.
والرابع من التركيب: تركب الجسم من الجواهر الفردة.
(١) «ح»: «التاسع والعشرون». وهذا هو الوجه الخامس والسبعون بعد المائة.
(٢) «ح»: «يمتنع».
والخامس: تركبه من المادة والصورة عند من يقول بهذا وهذا.
ولا ريب أنه يمتنع وجود موجودٍ قائمٍ بنفسه بدون ثبوت الأقسام الثلاثة الأولى، وتسميتهم لذلك تركيبًا خطأٌ وكذبٌ على اللغة.
وإن قالوا: نحن اصطلحنا على تسميته تركيبًا.
قيل: فلا ترتفع بسبب اصطلاحكم - المتضمن للتلبيس [ق ١٠٧ ب] والإيهام - الحقائق الموجودة والمعاني العقلية. ولا يُنكر بسببه١ علمُ الربِّ وحياته وقوته وسمعه وبصره وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، فإنه ليس في العقل ما ينفي ذلك، بل العقل الصريح يصدق السمع الدال على إثبات صفات الربِّ سبحانه ومباينته لمخلوقاته، والعقل أثبت موجودًا واجبًا بنفسه غنيًّا عمَّا سواه، وأمَّا كون ذلك الموجود مجردًا عن الصِّفات الثبوتية لا يوصف إلَّا بالسلوب والإضافات العدمية، فالعقل لا يدل على ذلك، بل يدل على خلافه كما يدل السمع٢.
فصل
الطريق التاسع والعشرون٣: أن يقال: ما أثبته هؤلاء المعطلة من المباينة لا يبطل الحلول والاتحاد، فإنهم أثبتوا مباينة في المفهوم كمباينة طعم التفاحة للونها وريحها وشكلها. ومعلومٌ أن هذه المباينة لا تقتضي انفصال كل من المتباينين من الآخر، بل هي ثابتة مع قيام هذه الصِّفات كلها
(١) «ح»: «بتشبيه». تصحيف.
(٢) «ح»: «المسمع». والمثبت هو الصواب.
(٣) «ح»: «الثلاثون». وهذا هو الوجه السادس والسبعون بعد المائة.